وإذا قال قائل : إن الدين يقيد حرية الإنسان ويمنعه بعض اللذات التى يقدر على التمتع بها ، ويحزنه الحرمان منها ، فكيف يكون هو المأمن من الأحزان ، ويكون باتباعه الفوز وبتركه الخسران؟ فجوابه : إن الدين لا يمنع من لذة إلا إذا كان فى إصابتها ضرر على مصيبها ، أو على أحد إخوانه من أبناء جنسه الذين يفوته من منافع تعاونهم إذا آذاهم أكثر مما يناله بالتلذذ بإيذائهم ، ولو تمثلت لمستحل اللذة المحرمة مضارها التى تعقبها فى نفسه وفى الناس ، وتصور مالها من التأثير فى فساد العمران لو كانت عامة ، وكان صحيح العقل معتدل الفطرة ، لرجع عنها متمثلا بقول الشاعر
* لا خير فى لذة من بعدها كدر*
فكيف إذا كان مع ذلك يؤمن باليوم الآخر ، ويعلم أن هذه المحرمات تدنس الروح فلا تكون أهلا لدار الكرامة فى يوم القيامة.
(قال الأستاذ) وليست سعادة الإنسان فى حرية البهائم بل فى الحرية التى تكون فى دائرة الشرع ومحيطه. فمن اتبع هداية الله فلا شك أنه يتمتع تمتعا حسنا ويتلقى بالصبر كل ما أصابه ، وبالطمأنينة ما يتوقع أن يصيبه ، فلا يخاف ولا يحزن.
يريد أن رجاء الإنسان فيما وراء الطبيعة هو الذى يقيه من تحكم عوادى الطبيعة فيه ، وبدون ذلك الرجاء تتحكم فيه أشد مما تتحكم فى البهائم التى هى أقوى منه طبيعة (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) فالتماس السعادة بحرية البهائم ، هو الشقاء اللازم ، وقد صرح بلفظ التمتع الحسن أخذا من قوله تعالى (١١ : ٣ (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) الآية. فالآيات الدالة على أن سعادة الدنيا معلولة للاهتداء بالدين كثيرة جدا ، وقد حجبها عن كثير من المسلمين قولهم فى الكافرين : لهم الدنيا ولنا الأخرة ، يغالطون أنفسهم بحجة القرآن عليهم. وآيات سورة طه فى قصة آدم أوضح فى المراد من آيات البقرة ، وهى قوله عزوجل (٢٠ : ١٢٣ ، ١٢٤ (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى) الآيات.
قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) (أقول) الآيات : جمع آية وهى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
