بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير ـ والنهى عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر ، وأن الفطرة تهدى إلى قبحه ووجوب احتنابه ، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للانسان فى الطور الثانى وهو طور التمييز هما المراد بقوله تعالى (٩٠ : ١١ (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) ووسوسة الشيطان وإزلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التى تلابس النفوس البشرية فتقوى فيها داعية الشر ، أى إن إلهام التقوى والخير أقوى فى فطرة الإنسان أو هو الأصل ، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه ـ والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطرى ـ وأما تلقى آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عرف فى الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التى تعقب الأفعال السيئة ، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق والتجائه إليه فى الشدة. وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إياه إلى المخرج من الضيق ، والتفلت من شرك البلاء ، بعد ذلك الاعتبار والالتجاء ، وذكر توبة الله على الإنسان ترد ما عليه النصارى من اعتقاد أن الله تعالى قد سجل معصية آدم عليه وعلى بنيه إلى أن يأتى عيسى ويخلصهم منها وهو اعتقاد تنبذه الفطرة ، ويرده الوحى المحكم المتواتر.
فحاصل القول : أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة. طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة ، وطور التمييز الناقص وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان ، وطور الرشد والإستواء وهو الذى يعتبر فيه بنتائج الحوادث ، ويلتجىء فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا التى منها كل شىء وإليها يرجع الأمر كله ، فهكذا كان الانسان فى أفراده مثال للانسان فى مجموعه (قال الأستاذ) كأن تدرج الإنسان فى حياته الاجتماعية ابتدأ ساذجا سليم الفطرة ، قويم الوجهة ، مقتصرا فى طلب حاجاته على القصد والعدل ، متعاونا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون وهذا هو العصر الذى يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبى.
ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم ، طاعة للشهوة ، وميلا مع خيال اللذة ، وتنبه من ذلك ما كان نائما فى نفوس سائرهم فثار النزاع ، وعظم الخلاف ، واستنزل الشقاء ، وهذا هو الطور الثاني وهو معروف فى تاريخ الأمم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
