أفلا تزعم أن لله ملائكة فى الأرض وملائكة فى السماء؟ هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض؟ وهل حددت أمكنتها ، ورسمت مساكنها؟ وهل عرفت أين يجلس من يكون منهم عن يمينك؟ ومن يكون عن يسارك؟ هل ترى أجسامهم النورانية تضىء لك فى الظلام ، أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام؟ فلور كنت إلى أنها قوى أو أرواح منبثة فيما حولك ، وما بين يديك وما خلفك ، وأن الله ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك ، وبالعبارة التى تلقفتها عنهم ، كيلا يوحشك بما يدهشك ، وترك لك النظر فيما تطمئين إليه نفسك من وجوه تعرفها. أفلا يكون ذلك أروح لنفسك ، وأدعى إلى طمأنينة عقلك؟ أفلا تكون قد أبصرت شيئا من وراء حجاب ، ووقفت على سر من أسرار الكتاب؟ فان لم تجد فى نفسك استعدادا لقبول أشعة هذه الحقائق ، وكنت ممن يؤمن بالغيب ويفوض فى إدراك الحقيقة ويقول (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) فلا ترم طلاب العرفان بالريب ماداموا يصدقون بالكتاب الذى آمنت به ، ويؤمنون بالرسول الذى صدقت برسالته ، وهم فى إيمانهم أعلى منك كعبا ، وأرضى منك بربهم نفسا ، ألا إن مؤمنا لو مالت نفسه إلى فهم ما أنزل إليه من ربه على النحو الذى يطمئن إليه قلبه كما قلنا كان من دينه فى ثقة ؛ ومن فضل ربه فى سعة] ا ه.
هذا ما كتبه شيخنا فى توضيح كلامه فى تقريب ما يفهمه علماء الكائنات من لفظ القوى ـ إلى ما يفهمه علماء الشرع من لفظ الملائكه ، ولا يفقهه من هؤلاء إلا من له إلمام بما يقوله أولئك فى القوى وإسناد كل أحداث الكائنات وتطوراتها إليها مع اعترافهم بجهل كنهها ، وإلمام أيضا بما كان يقوله قدماء اليونان من أن لكل نوع من أنواع الموجودات إلها أو ربا مدبرا هو المسير لنظامه وكل هذه الأرباب
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
