واقع موقعه ، ليس شىء أعلى ولا أحط منه ، فان كان كذلك ولا بدّ أن يكون كما قدره ـ لو عرفوا ذلك كله لأطلقوا لأنفسهم أن تجول فى تلك الشؤون حتى تصل إلى مستقر الطمأنينة حيث لا ينازع العقل شىء من وساوس الوهم ، ولا تجد طائفا من الخوف ، ثم لا يتحرجون من إطلاق لفظ مكان لفظ.
هذه القوى التى نرى آثارها فى كل شىء يقع تحت حواسنا ، وقد خفيت حقائقها عنا ، ولم يصل أدق الباحثين فى بحثه عنها إلا إلى آثار تجلّ إذا كشفت ، وتقل بل تضمحل إذا حجبت ، وهى التى يدور عليها كمال الوجود ، وبها ينشأ الناشىء ، وبها ينتهى إلى غايته الكامل ، كما لا يخفى على نبيه ولا خامل ، أليست أشعة من ضياء الحق؟ أليست أجل مظهر من مظاهر سلطانه؟ ألا تعد بنفسها من عالم الغيب وإن كانت آثارها من عالم الشهادة؟ ألا يجوز أن يشعر الشاعر منها بضرب من الحياة والاختيار خاص بها لا ندرك كنهه لاحتجابه بما نتصوره من حياتنا واختيارنا؟ ألا تراها توافى بأسرارها ، من ينظر فى آثارها ، ويوفيها حق النظر فى نظامها؟ يستكثر من الخير بما يقف عليه من شؤونها ، ومعرفة الطريق إلى استدرار منافعها؟
أليس الوجود الالهى الأعلى من عالم الغيب وآثاره فى خلقه من عالم الشهادة؟ أليس هو الذى وهب تلك القوى خواصها ، وقدر لها آثارها؟ لم لا تقول أيها الغافل : إنه بذلك وهبها حياتها الخاصة بها ، ولم قصرت معنى الحياة على ما تراه فيك وفى حيوان مثلك؟ مع أنك لو سئلت عن هذا الذى تزعم أنك فهمته وسميته حياة لم تستطع له تعريفا ، ولا لفعله تصريفا؟ لم لا تقول كما قال الله وبه نقول (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ؟)
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
