خاضعة للرب الإله الأكبر الذى يرجع إليه الأمر كله ، فالمعنى العام عند الأولين والآخرين هو أن أحداث هذا العالم وتغيراتها وتطوراتها والنظام فيها كلها لا بد له من سبب خفى غير أجزاء مادتها ، فالتعبير عن ذلك عند المتقدمين قد وصل إلينا باصطلاحات تدل على الشرك برب العالمين ، وتعبير الماديين المتأخرين يدل على التعطيل. وتعبير القرآن وما ثبت فى السنة هو الذى حرر الحقيقة التى يمكن إذعان العقلاء لها وهى أن الفاعل الحقيقى واحد ، وأن نظام كل شىء قد ناطه سبحانه بموجودات روحية خفية ذات قوى عظيمة جدا سميت الملائكة ، فالأستاذ الامام يقول : إن التسمية وحدها لا تعطى أحدا علم الحقيقة ، وإن من فهم الحقيقة لا يحجبها عنه اختلاف التسمية ، وأراد بهذا أن يحتج على الماديين ويقنعهم بصحة ما جاء به الوحى من طريق علمهم المسلم عندهم ، كما صرح به فيما مر فى صفحة ٢٦٨ فأنكره عليه عباد الألفاظ وهم لا يعقلون مراده ، وهو بمثل هذه الأساليب فى الإقناع بحقية الدين كان حجة لله فى هذا العصر : حتى قال له أحد نوابغ رجال القضاء الأذكياء : إنك بتفسيرك للقرآن بالبيان الذى يقبله العقل ولا يأباه العلم قد قطعت الطريق على الذين يظنون أنه قد اقترب الوقت الذى يهدمون فيه الدين ويستريحون من قيوده وجهل رجاله وجمودهم.
وإننى أنا قد جربت هذه الطريقة التى استنكروها عليه فى إقامة الحجة على بعض المنكرين لوجود الله تعالى فلم يستطيعوا لها دحضا ، ذلك بأن علماءهم إنما ينكرون إله اللاهوتيين وكذا إله المتكلمين لا إله الخليقة. فإذا قلت لهم : هل تعقلون أن هذا النظام الدقيق فى كل نوع من المخلوقات ووحدة النظام العام فى مجموعها كلها قد وجدا بالمصادفة وليس لهما مصدر وجودى؟ يقولون : لا ، بل لا بد لذلك من مصدر لكننا نجهل حقيقته ، حينئذ كنت أقول لهم ، وهذا أس عقيدة الإسلام وهو أننا نجهل كنه رب العالمين ، وإنما نعرفه بآثاره فى خلقه فالفرق بيننا لفظى.
ذلك. وإن ترتيب النظم يلتئم مع التأويل الذى أورده الأستاذ الإمام فى السياق فإن هذه المعانى التى وردت بصيغة الحكاية وبرزت فى صورة التمثيل جاءت عقب قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) وبقى شىء واحد لم يصرح به
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
