ثم تطلع عقله إلى أن يفهم معني نورانية الأجسام ، وهل النور وحده له قوام يكون به شخصا ممتازا بدون أن يقوم بجرم آخر كثيف ثم ينعكس عنه كذبالة المصباح أو سلك الكهرباء؟ ومعنى قابلية التشكل وهل يمكن للشىء الواحد أن يتقلب فى أشكال من الصور مختلفة حسبما يريد وكيف يكون ذلك؟ ألا يقع فى حيرة ، ولو سئل عما يعتقده من ذلك ألا يحدث فى لسانه من العقد مالا يستطيع حله؟ أليس مثل هذه الحيرة بعد شكا؟ نعم ليست هذه الحيرة حيرة من وقف دون أبواب الغيب يطرف لما لا يستطيع النظر إليه ، لكنها حيرة من أخذ بقول لا يفهمه ، وكلف نفسه علم مالا تعلمه. فلا يعد مثله ممن آمن بالملائكة إيمانا صحيحا ، واطمأنت بايمانه نفسه ، واذعن له قلبه ، ولم يبق لوهمه سلاح ينازع به عقله ، كما هو شأن صاحب الإيمان الصحيح.
فليرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليعلموا أن الذى وقر فيها تقاليد حفت بالمخاوف ، لا علوم حفت بالسكينة والطمأنينة ، هؤلاء لم يشرق فى نفوسهم ذلك السر الذى يعبر عنه بالنور الالهى ، والضياء الملكوتى ، واللألاء القدسى ، أو ما يماثل ذلك من العبارات. لم يسبق لنفوسهم عهد بملاحظة جانب الحق ، ولم تكتحل أعين بصائرهم بنظرة إلى مطلع الوجود منه على الخلق ، ولو علموا أن العالم بأسره فان فى نفسه ، وأن ليس فى الكون باق كان أو يكون إلا وجهه الكريم ، وأن ما كشف من الكون وما لطف ، وما ظهر منه وما بطن ، إنما هو فيض من جوده ، ونسبة إلى وجوده ، وليس الشريف منه الا ما أعلى بذكره منزلته ، ولا الخسيس إلا ما بين لنا بالنظر إلى الأول نسبته ؛ فان كل مظهر من مظاهر الوجود فى نفسه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
