سمى فى لسان الشرع ملكا ، ومن لم يبال فى التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعانى القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الامكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها فى الطبيعة. والأمر الثابت الذى لا نزاع فيه هو أن فى باطن الخلقة أمرا هو مناطها ، وبه قوامها ونظامها ، لا يمكن لعاقل أن ينكره ، وان أنكر غير المؤمن بالوحى تسميته ملكا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة ، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحى تسميته قوة طبيعية أو ناموسا طبيعيا لأن هذه الاسماء لم ترد فى الشرع ـ فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الاسماء عن المسميات [وان كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه ، والذى لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها. ولا يعلم الا الله علام يختلف الناس؟ وكل يقر بوجود شىء غير ما يرى ويحسّ ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم ، ولا يصل بعقله إلى ادراك كنهه ، وما ذا على هذا الذى يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما غيّب عنه لو قال : أصدق بغيب أعرف أثره ، وإن كنت لا أقدره قدره ، فيتفق مع المؤمنين بالغيب ، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحى ، ويحظى بما يحظى به المؤمنون؟].
يشعر كل من فكر فى نفسه ووازن بين خواطره عند ما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير ، ووجه للباطل أو للشر ، بأن فى نفسه تنازعا كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى ، فهذا يورد وذاك يدفع ، واحد يقول : افعل وآخر يقول لا تفعل ، حتى ينتصر أحد الطرفين ، ويترجح أحد الخاطرين ، فهذا الشىء الذى أودع فى أنفسنا ، ونسميه قوة وفكرا ـ وهو فى الحقيقة معنى لا يدرك كنهه ، وروح لا تكتنه حقيقتها ـ لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكا (أو يسمى أسبابه ملائكة) أو ما شاء من الاسماء ، فان التسمية لا حجر فيها على الناس فكيف يحجر فيها على صاحب الارادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع؟
(وأقول) إن الامام الغزالى سبق إلى بيان هذا المعنى وعبر عنه بالسبب وقال انه سمى ملكا فانه بعد ما قسم الخواطر إلى محمود ومذموم قال «ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ، ثم إن كل حادث فلا بد له من محدث ، ومهما اختلفت
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
