إن إلهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء فى لسان صاحب الوحى (ص) وقد أسندا الى هذه العوالم الغيبية ، وخواطر الخير التى تسمى إلهاما وخواطر الشر التى تسمى وسوسة كل منهما محله الروح فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس فلا يصح أن تمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا [لان هذه لو اتصلت بأرواحنا ، فانما تتصل بها من طرق أجسامنا ، ونحن لا نحس بشىء يتصل بأبداننا لا عند الوسوسة ولا عند الشعور بداعى الخير من النفس ، فاذن هى من عالم غير عالم الابدان قطعا] والواجب على المسلم فى مثل الآية : الايمان بمضمونها مع التفويض أو الحمل على أنها حكاية تمثيل ؛ ثم الاعتبار بها بالنظر فى الحكم التى سيقت لها القصة.
(وأقول) إن اسناد الوسوسة الى الشياطين معروف فى الكتاب والسنة ، وأما اسناد إلهام الحق والخير الى الملائكة فيؤخذ من خطاب الملائكة لمريم عليهاالسلام ، ومن حديث الشيخين فى المحدّثين وكون عمر منهم ـ والمحدثون يفتح الدال وتشديدها الملهمون ـ ومن حديث الترمذى والنسائى وابن حبان وهو «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة. فأما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله على ذلك ، ومن وجد الاخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) قال الترمذى حسن غريب لا نعلمه مرفوعا إلا من حديث أبى الاحوص. والرواية «إيعاد» فى الموضعين كما أن الآية من الثلاثى فى الموضعين ، فما قالوه فى التفرقة بين الوعد والايعاد أغلبى فيما يظهر ؛ وإلا فهو غير صحيح. واللمة بالفتح الالمام بالشىء والاصابة.
(قال الاستاذ) وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر فى فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد فى الملائكة من كونهم موكلين بالاعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك فيه ايماء الى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة ، وهو أن هذا النمو فى النبات لم يكن الا بروح خاص نفخه الله فى البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة ، وكذلك يقال فى الحيوان والانسان ، فكل أمر كلى قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الآلهية فى إيجاده فانما قوامه بروح الهى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
