فلم يمتثل أمر الحق ترفعا عنه ، وزعما بأنه خير من الخليفة عنصرا ، وأزكى جوهرا ، كما حكى الله تعالى عنه فى غير هذه السورة (٧ : ١١ (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) والاستكبار بمعنى التكبر وهو الظهور بصفة الكبرياء التى من آثارها الترفع عن الحق ، كأن السين والتاء للاشعار بأن الكبر ليس من طبيعة إبليس ولكنه مستعد له ، ثم قال تعالى بعد وصفه بالاباء والاستكبار (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) قال بعض المفسرين كان من حق الترتيب أن يقال : كان من الكافرين واستكبر وأبى لأن الكفر عنده سبب الاستكبار والاستكبار سبب الإباء ، ومثل هذا المفسر يعلل مخالفة الترتيب الطبيعى فى النظم برعاية الفاصلة (قال الاستاذ) ولكن نظم الآية جاء على مقتضى الطبيعة فى الذكر ، فانه يفيد أن الله تعالى أراد أن يبين الفعل أولا لانه المقصود بالذات وهو الاباء ثم يذكر سببه وعلته وهو الاستكبار ثم يأتي بالاصل فى العلة والمعلول والسبب والمسبب وهو الكفر.
(أقول) وقال بعض المفسرين : إن «كان» هنا بمعنى صار وخطأه ابن فورك وقال إن الاصول ترده ، ووجهه عند قائله : وصار بهذا الاباء والاستكبار من جملة الكافرين ، لما علم من أنه لم يكن قبل هذا العصيان المتضمن للاعتراض على الرب سبحانه من الكافرين ، وقد جعل بعضهم مناط كفره هذا الاعتراض على ربه عزوجل لان المعصية وحدها لا تقتضى الكفر كما تدل عليه النصوص ، وفيه أن ذلك فى معصية المسلم ، وهو المذعن لامر الله ونهيه إذا غلبه غضب أو شهوة فعصى ، وهو لا يلبث أن يندم ويتوب. وعصيان إبليس رفض للاذعان والاستسلام ابتداء وهو كفر بغير نزاع ، ككفر الذين صدقوا الرسل بقلوبهم ولم يتبعوهم عنادا واستكبارا (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) والجمهور : أن المعنى : وكان فى علم الله من الكافرين.
ثم إن الاستاذ أعاد هنا ملخص ما تقدم بيانه فى وجه اتصال الآيات بما قبلها وكون الكلام فى القرآن والرسول الذى جاء به وتسليته بهذه القصة ثم توسع فى الكلام عن الملائكة فقال ما مثاله ملخصا : تقدم أن الملائكة خلق غيبى لا نعرف حقيقته ، وإنما نؤمن به باخبار الله تعالى الذى نقف عنده ولا نزيد عليه ، وتقدم أن القرآن ناطق بأن الملائكة أصناف لكل صنف وظيفة وعمل ، ونقول الآن
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
