يصور لنا قوله تعالى (خَلَقَ لَكُمْ) قدرته الكاملة ، ونعمه الشاملة ، وأى قدرة أكبر من قدرة الخالق؟ وأى نعمة أكمل من جعل كل ما فى الأرض مهيئا لنا ، ومعدا لمنافعنا؟ وللانتفاع بالأرض طريقان (أحدهما) الانتفاع بأعيانها فى الحياة الجسدية (وثانيهما) النظر والاعتبار بها فى الحياة العقلية ، والأرض هى ما فى الجهة السفلى ، أى ما تحت أرجلنا ، كما أن المراد بالسماء كل ما فى الجهة العليا أى فوق رءوسنا وإننا ننتفع بكل ما فى الأرض برها وبحرها من حيوان ونبات وجماد ، ومالا تصل إليه أيدينا ننتفع فيه بعقولنا بالاستدلال به على قدرة مبدعه وحكمته. والتعبير بفى يتناول ما فى جوف الأرض من المعادن بالنص الصريح
(وأقول هنا) إن هذه الجملة هى نص الدليل القطعى على القاعدة المعروفة عند الفقهاء «ان الأصل فى الأشياء المخلوقة الإباحة» والمراد إباحة الانتفاع بها أكلا وشربا ولباسا وتداويا وركوبا وزينة ، وبهذا التفصيل تدخل الأشياء التى يضر استعمالها فى بعض الأشياء وينفع فى بعض ، كالسموم التى يضر أكلها وشربها وينفع التداوى بها ، وليس لمخلوق حق فى تحريم شىء أباحه الرب لعباده تدينا به إلا بوحيه وإذنه (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ؟.) وما يحظره الطبيب على المريض من طعام حلال فى نفسه وما يمنع الحاكم العادل الناس من التصرف فيه من المباحات لدفع مفسدة أو رعاية مصلحة ـ فليس من التحريم الدينى للشىء ولا يكون دائما ، وإنما يتبعان فى ذلك كما يأمران به بحق وعدل مادامت علته قائمة.
قال تعالى (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) يقال استوى إلى الشىء إذا قصد إليه قصدا مستويا خاصا به لا يلوى على غيره. وقال الراغب إذا تعدى استوى بإلى اقتضى الانتهاء إلى الشىء إما بالذات وإما بالتدبير ، والمراد أن إرادته توجهت إلى مادة السماء كما قال فى سورة فصلت (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) الخ (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ) فأتم خلقهن من تلك المادة الدخانية فجعلهن سبع سموات تامات منتظمات الخلق. وهذا الترتيب يوافق ما كان معروفا عند اليهود عن سيدنا موسى عليهالسلام من أن الله تعالى خلق الأرض أولا ، ثم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
