(ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فينبئكم بما عملتم ، ويحاسبكم على ما قدمتم ، ويجازيكم به وأقول ان تراخى الارجاع إلى الله تعالى عن حياة البعث عبارة عن تأخير الحساب والجزاء وطول زمن الوقوف والانتظار كما ورد فى حديث الشفاعة العظمى وغيره. فاذا كان هذا شأنكم معه وهذا فضله عليكم ، وهذا مبدأ كم وذلك منتهاكم ، فكيف تكفرون به وتنكرون عليه أن يضرب لكم مثلا تهتدون به ، ويبعث فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من قيام مصالحكم فى حياتكم الأولى ، وسعادتكم فى حياتكم الأخرى؟
لا يقال كيف يحتج عليهم بالحياة الثانية قبل الإيمان بالوحى الذى هو دليلها ومثبتها؟ لأنه احتجاج على مجموع الناس بما عليه الأكثرون منهم ، ولا عبرة بالشذاذ المنكرين للبعث فى هذا المقام لأن الاحتجاج بالحياة الأولى بعد الموتة الأولى كاف للتعجب من كفرهم بالله وانكارهم عليه أن يضرب مثلا ما لهداية الناس زعما أن هذا لا يليق بعظمته ، فان من أوجد هذا الانسان الكريم ، وجعله فى أحسن تقويم ، وركب صورته من تلك الذرات الصغيرة ، والنطفة المهينة الحقيرة ، والعلقة الدموية أو الدودية ، والمضغة اللحمية ، (لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) والكلام مسوق لابطال شبه منكرى المثل والقرآن الذى جاء به ، لا لإبطال شبه منكرى البعث بلوا مع شهبه ، ثم إن تمثيل احدى الحياتين بعد الموت بالأخرى داحض لحجة من يزعم عدم إمكان الثانية ، لأن ما جاز فى أحد المثلين جاز فى الآخر ، والكلام فى اثبات الوحى الالهى للنبى المرسل من البشر والإيمان بالبعث تابع له
ثم بعد بيان بعض أياته فى أنفسهم بذكر المبدأ والمنتهى ذكرهم بآياته فى الآفاق فقال (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) فالكلام على اتصاله وترتيبه وانتظام جواهره فى سلك أسلوبه ، فليس فى قوله كيف تكفرون الخ انتقال لاثبات البعث كما قال بعض المفسرين ، غفلة عن هذا الاتصال المتين ، ولعمرى إن وجوه الاتصال بين الآيات ، وما فيها من دقائق المناسبات ، لهى ضرب من ضروب البلاغة ، وفن من فنون الإعجاز ، إذا أمكن للبشر الاشراف عليه ، فلا يمكنهم البلوغ اليه ، والكلام فى البعث فى القرآن كثير جدا فلا حاجة إلى الاسراع إليه هنا.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
