إلى الذين أوتوه. وليس المراد بالفاسقين ما هو معروف فى الاصطلاحات الشرعية وهم العصاة بما دون الكفر من المعاصى ، فانه لا يصح هنا ، وتلك الاصطلاحات حادثة بعد التنزيل ، وقد كان التعبير بيضل مشعرا بأن المثل هو منشأ الاضلال والهداية بذاته ، فنفى ذلك بهذه الجملة ليبين أن منشأ الصلال راسخ فيهم وفى أعمالهم وأحوالهم.
ثم إن الآية تشعر بأن المهتدين فى الكثرة كالضالين مع أن هؤلاء أكثر وكأن الحكمة فى التسوية إفادة أن المؤمنين المهتدين على قلتهم أجل فائدة وأكثر نفعا وأعظم آثارا من أولئك الكفار الفاسقين الضالين على كثرتهم ، لأن المؤمنين كما قيل* قليل إذا عدوا كثير إذا شدّوا* ولذلك جعل الواحد فى القتال بعشرة فى حال القوة والعزيمة ، وباثنين فى حال الضعف ، قيل هو ضعف البدن ، وقيل : بل ضعف البصيرة ، ولقد كان من أثر ذلك العدد القليل من المؤمنين الأولين أن سادوا جميع العالمين
|
ولم أر أمثال الرجال تفاوتا |
|
إلى المجد حتى عدّ ألف بواحد |
|
إن الكرام كثير فى البلاد وإن |
|
قلوا كما غيرهم قلّ وإن كثروا |
وأما وجه تقديم الاضلال على الهداية فلأن سببه ومنشأه من الكفر متقدم فى الوجود ، وانما جاءت الآيات المبينة بالامثال لاخراجهم مما كانوا فيه من ظلمات الباطل إلى نور الحق ، فزادت الفاسقين رجسا على رجسهم ، لأن نور الفطرة قد انطفأ من أنفسهم ، بتماديهم فى نقض العهد ، وقطع الوصل والافساد فى الارض ، كما فى الآية التالية لهذه. وقد علم بما ذكرنا أن فى الآية لفا ونشرا غير مرتب فان الضلال ذكر أولا ، وهو للفريق الثانى ، والهدى ذكر آخرا ، وهو للفريق الاول.
وهذا وإن ما تقدم تقريره فى ضرب المثل وضلال قوم به وهداية آخرين ، هو مبنى على أن المراد به المثل الكلامى كما عليه الجمهور ، أخذا مما ورد فى سبب النزول ، وتقدم عن بعضهم أن المراد بالمثل فى الآية القدوة الذى يؤتم به ويهتدى بهديه ؛ وهذا المعنى للمثل معروف ، وقد نطق به القرآن فى قوله تعالى (٤٣ : ٥٦ (فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ) وقوله (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) وقال فيه (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) فهذه الآية تهدينا
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
