إلى فهم قوله تعالى (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما) أن المراد به دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبى صلىاللهعليهوسلم وصلاحيته لأن يكون مثلا يقتدى به ، وهى أنه بشر يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق ، وهم المشركون ، والذين أنكروا أن يكون من العرب وهم اليهود.
وقد حكى هذه الشبهة عنهم فى آيات كثيرة ، كأنهم يقولون : إذا كان بشرا مثلنا فكيف يدعى أنه رسول من الله يجب اتباعه ، ومثل كامل ضرب للاقتداء به؟ (أأنزل الذكر عليه من بيننا) ولأى شىء لم يرسل الله ملكا؟ ومنهم من قال (لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً) وقد أقام الله الحجة على هؤلاء بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا) الخ ، وأتبعها بوعيد من أعرض عن الايمان بعد قيام البرهان وهم الكافرون ، وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المؤمنون ، وبعد تقرير الحجة وهى تحديهم بسورة من مثله ـ كرّ على شبهتهم بالنقض وهى استبعاد أن يكون بشر رسولا من عنده ، ومحصله : أن الله تعالى خالق كل شىء ، فيجعل ما شاء من المنفعة والفائدة فيما شاء ومن شاء من خلفه ويضربه مثلا للناس يهتدون به ، وليس هذا نقصا فى جانب الالوهية فيستحى من ضربها مثلا ، بل من الكمال والفضل أن يجعل فى المخلوقات الضعيفة والمحتقرة فى العرف كالبعوض فوائد ومنافع ، فكيف يستنكر أن يجعل من الانسان الكامل الذى كرمه وخلقه فى أحسن تقويم مثلا وإماما يقتدى به قومه ويهتدون بهديه؟ وبقية الكلام فى الآية على هذا الوجه فى معنى المثل هو نحو ما تقدم تقريره أو ظاهر منه أتم الظهور. [فان الذين آمنوا يعلمون أن هذا الامام الذى نصبه للناس مهما يكن ضعيفا قبل أن يقويه ببرهانه هو الحق الذى ثبت تأييده من ربهم ، والكافرون يقولون لم لم يبعث إلى الناس من هو خير منه فى نظرهم؟ وما ذا يريد بأن يجعل لهم قدوة فى أضعفهم وأهونهم ، وهكذا تقول فى قوله : يضل به كثيرا] الخ.
وقد عهد من أهل البصيرة الاقتداء بالحيوانات والاستفادة من خصالها وأعمالها ، ويحكى عن بعض كبار الصوفية أنه قال : تعلمت المراقبة من القط ، وعن بعض حكماء المسلمين أنه قرأ كتابا نحوا من ثلاثين مرة فلم يفهمه ، فيئس منه وتركه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
