ذكرنا فى الأمثال التى يراد منها التنفير ، هو الأبلغ فى التأثير الذى هو روح البلاغة وسرها ، كان قوله تعالى (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) مبينا لشأن من شؤون كماله عزوجل فى كتابه العزيز ، وقاضيا على الذين يتحامون ذكر البعوضة وأمثالها بنقص العقل ، وخسران ميزان الفضل ، والمراد بما فوق البعوضة ما علاها وفاقها فى مرتبة الصغر ومنها جنة النسم (الميكروبات) التى لا ترى إلا بالنظارات المكبرة (ميكرسكوب) وكانوا يضربون المثل بمخ النملة ، وفى كلام بلغائهم : أسمع من قراد ، وأطيش من فراشة ، وأعز من مخ البعوضة. والمعنى أن الله تعالى لا يترك ضرب مثل مّا من الأمثال حياء منه سواء كان بعوضة أو أصغر منها حجما ، وأقل عند الناس شأنا.
ثم ذكر تعالى أن الناس فى ذلك فريقان (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) لأنه ليس نقصا فى حد ذاته ؛ وقد جاء فى كلامه تعالى فهو ليس نقصا فى جانبه ، وإنما هو حق لأنه مبين للحق ومقرر له ، وسائق إلى الأخذ به ، بما له من التأثير فى النفس ، وذلك أن المعانى الكلية تعرض للذهن مجملة مبهمة فيصعب عليه أن يحيط بها وينفذ فيها فيستخرج سرها ، والمثل هو الذى يفصل إجمالها ، ويوضح إيهامها ، فهو ميزان البلاغة وقسطاسها ، ومشكاة الهداية ونبراسها ، ورحم الله تعالى عبد القاهر الجرجانى إمام البلاغة والواضع الأول لعلمى المعانى والبيان ، ومؤلف أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لتحقيق اعجاز القرآن ، حيث قال فى كتابه الأول :
«واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء فى أعقاب المعانى أو برزت هى باختصار فى معرضه ، ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته ، كساها أبهة ، وكسبها منقبة ؛ ورفع من أقدارها ، وشب من نارها ، وضاعف قواها فى تحريك النفوس لها ، ودعا القلوب إليها ، واستثار لها من أفاصى الأفئدة ضبابا وكلفا ، وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا.
«فان كان مدحا كان أبهى وأفخم ، وأنبل فى النفوس وأعظم ، وأهز للعطف وأسر للألف ، وأجلّب للفرح ، وأغلب على الممتدح ، وأوجب شفاعة للمادح ؛ وأقضى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
