لا ترى ، وقالوا : إن معنى نفى الاستحياء هو أن الله تعالى لا يرى من النقص أن يضرب مثلا بعوضة فما دونها ، لأنه خالق كل شىء ، وقد ورد فى الحديث نسبة الحياء إلى الله تعالى ، والنافون له يؤولون ما ورد بأثره وغايته.
أقول : هذا مؤدى ما قاله الاستاذ فى الدرس ، والحديث فى وصفه تعالى بالحياء مروى عن يعلى بن أمية وعن سلمان الفارسى أخرجهما أحمد وأبو داود والأول النسائى والثانى الترمذى وابن ماجه والحاكم وحسنوهما. والتحقيق : أن الحياء انفعال النفس وتألمها من النقص والقبيح بالغريزة الفضلى غريزة حب الكمال فهو كمال لها خلافا لأولى الوقاحة الذين يعدونه ضعفا ونقصا. وإنما النقص الافراط فى هذه الصفة بحيث تضعف عن الاقدام على الشىء الحسن النافع اتقاء لذم من لا يعرف حسنه أو لا يعترف به.
والمثل فى اللغة الشبه والشبيه وضربه عبارة عن إيقاعه وبيانه وهو فى الكلام أن يذكر لحال من الأحوال ما يناسبها ويشابهها ويظهر من حسنها أو قبحها ما كان خفيا ، ولما كان المراد به بيان الأحوال كان قصة وحكاية ، واختير له لفظ الضرب لأنه يأتي عند إرادة التأثير وهيج الانفعال ، كأن ضارب المثل يقرع به أذن السامع قرعا ينفذ أثره إلى قلبه ، وينتهى إلى أعماق نفسه ، ولكن فى الكلام قلبا حيث جعل المثل هو المضروب وإنما هو مضروب به. هذا الذى قاله الأستاذ وهو أبلغ فى المعنى من جعل الضرب للمثل كضرب القبة والخيمة أو ضرب النقود.
وإذا كان الغرض التأثير فالبلاغة تقضى بأن تضرب الأمثال لما يراد تحقيره والتنفير عنه بحال الأشياء التى جرى العرف بتحقيرها ، واعتادت النفوس النفور منها ، ومثل هذا لا يخفى على بليغ ، ولا على عاقل أيضا ، ولذلك قال بعضهم : إن المنكرين لم يروا فى القرآن شيئا يعاب ، فتمحلوا بقولهم هذا :
|
كضرائر الحسناء قلن لوجهها |
|
حسدا وبغضا إنه لدميم |
وجروا فى ذلك على عادة المتحذلقين المتكيسين (١) إذ يتحامون ذكر الألفاظ التى مدلولاتها حقيرة فى العرف ، وإذا اضطروا لذكرها شفعوها بما يشفع لها كقولهم «أجلكم الله» وإذا كان شأن المثل ما ذكرنا وكان ذكر الأشياء التى ينفر منها من
__________________
(١) أى المتكلفين للحذق والكيس وهو الظرف ، يقال تكيس وتكايس
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
