وجه دلالة القرآن على نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم
(تمهيد) الإيمان بالنبوة والرسالة ، ينبنى على الإيمان بالربوبية والإلهيه ؛ فلا يخاطب بإثباتها والدليل عليها إلا من يؤمن بالله تعالى وصفاته من العلم والحكمة والمشيئة والقدرة وتدبير أمر العالم ، وأكثر البشر يؤمنون بوجود الخالق المدبر صاحب السلطان الغيبى ، لأنه مما أودع فى الفطرة البشرية ، ولا يعقل هذا النظام المشاهد فى العالم بدونه ، كما هو مقرر فى مواضعه ، ولكن الكثيرين يخطئون فى فهم صفاته والكلام فى تدبيره وتقديره ، لاختلاف أنظارهم وتقاليدهم فى ذلك. والذين حرموا هذا الإيمان قسمان : همج من سكان الغابات الوحشية. وأصحاب شبهات طارئة. ومثل الأول مثل الخداج الذى يولد ناقصا. ومثل الثانى مثل من يصاب ببعض مشاعره أو أعضائه. ومراكز الإدراك فى المخ يصاب بعضها بالمرض أو الضعف دون بعض. فلا يغترن أحد من المتقين بكفر بعض المتقنين لبعض العلوم والفنون ، الذين شغلتهم الصنعة عن الصانع. كما شغل حب ليلى مجنون بنى عامر عن شخصها. حتى قيل : إنها زارته فلم يحفل بها.
وأكثر الذين يؤمنون بالله تعالى يؤمنون بالرسل الذين خصهم الله بنوع من العلم والهدى بغير تعلم ولا كسب. وأيدهم بآيات منه دانت لها عقول المستعدين للهداية وخضعت قلوبهم فآمنوا واهتدوا. وكانت حالهم البشرية بعد الايمان والهدى خيرا مما كانوا عليه هم وآباؤهم قبل ذلك صلاحا. وقد بعث الله تعالى رسلا إلى جميع الأمم دعوها إلى أصول الدين الثلاثة المبينة فى قوله تعالى (٢ : ٦٢ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ : مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).
فالرسل عليهمالسلام كانوا متفقين فى الدعوة إلى الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. وإنما كانوا يختلفون فى تفصيل الأعمال الصالحة والشرائع المصلحة بحسب اختلاف استعداد أممهم. وقد طرأت على أتباعهم من بعدهم بدع وثنية وخرافية وضاعت أكثر تعاليمهم من الأمم القديمة. وإنما بقيت بقية صالحة منها عند المتأخرين من اليهود والنصارى فيها من الشوائب ما أشرنا إليه آنفا. وكذلك بقيت فى جميع
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
