أخبار الغيب الماضية من هذا البحث تصريح الآيات بأنه صلىاللهعليهوسلم لم يكن يعلم ما قصته السور منها ولا قومه ، ولم يمكن لأحد من خصومه المشركين أن يكذب أو يمارى فى ذلك.
هذا وإن ما لخصناه هنا من حكم القرآن عليها يثبت أنه حكم علىّ نزل من فوق السموات العلى : حكم العليم الحكيم الحكم العدل المهيمن ، وأن تحقيق المحققين من مؤرخى الأمم وتحقيق العقلاء من البشر قد أثبت ما أثبته هذا الحكم ، وقد نفى ما نفاه ، أليس هذا أنصع برهان على كونه حكم الله ، لا حكم عبده محمد بن عبد الله؟ بلى والله ؛ ثم بلى والله ، ثم بلى والله ، لا يمارى فى ذلك إلا متعصب أضله الله.
ومن قرأ التوراة والإنجيل ثم قرأ ما فى القرآن من أخبار الرسل يرى أمرا آخر ، يرى أن القرآن بين صفوة ما فيهما من صحة عقيدة ، ومن أدب وفضيلة ، ومن عبرة وموعظة ، ومن أسوة بالأخيار حسنة ، وسكت عن كل ما فيهما مما ينافى ذلك ويخل به ، أو يجعل أفضل البشر قدوة سيئة ، وصرح بنقض ما طرأ على أهل الكتاب من نزغات الشرك والوثنية. فإن فرضنا ـ تنزلا ـ أن هذا من صنع محمد بن عبد الله الأمى ، أفلا يكون برهانا على أنه هو فى شخصه أرقى من جميع الأنبياء والمرسلين علما وعقلا وهداية وإرشادا؟ بلى ، ولكن كيف يعقل حينئذ أن يكونوا أنبياء مرسلين ، وموحى إليهم من الله أو ملهمين؟ الحق أن نفى نبوته صلىاللهعليهوسلم يقتضى نفى النبوة وإبطال الرسالة من أصلها ، لأنها هى التى تعقل لذاتها ، وإنما يظهر ثبوت غيرها بالتبع لثبوتها ، وإننا رأينا بعض الكافرين بالوحى ، من الباحثين المستقلى الفكر ، يفضلون محمدا صلىاللهعليهوسلم على جميع الخلق ، ومنهم الدكتور شبلى شميل السورى المشهور ، فقد صرح بذلك قولا وكتابة ، وأثبته نظما ونثرا.
وقد آن أن نبين وجه دلالة القرآن على نبوته صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ، ومن آمن به وشاركهم فى الاهتداء يهديه من بعده إلى يوم القيامة.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
