أصل لسنة التلقيح المذكورة آنفا فان المراد بها أن الريح تنقل مادة اللقاح من الذكر إلى الأنثى كما تقدم ، وفى هذا المعنى عدة آيات ، أعمها وأغربها وأعجبها قوله تعالى (٣٦ : ٣٦ (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ).
ومنه قوله تعالى (١٥ : ١٨ (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) إن هذه الآية هى أكبر مثال للعجب بهذا التعبير (موزون) فان علماء الكون الإخصائيين فى علوم الكمياء والنبات قد أثبوا أن العناصر التى يتكون منها النبات مؤلفة من مقادير معينة فى كل نوع من أنواعه بدقة غريبة لا يمكن ضبطها إلا بأدق الموازين المقدرة من أعشار الغرام والمليغرام ، وكذلك نسبة بعضها إلى بعض فى كل نبات ، أعنى أن هذا التعبير بلفظ «كل» المضاف إلى لفظ «شىء» الذى هو أعم الألفاظ العربية الموصوف بالموزون ـ تحقيق لمسائل علمية فنية لم يكن شىء منها يخطر ببال بشر قبل هذا العصر ، ولا يمكن بيان معناها بالتفصيل إلا بتصنيف كتاب مستقل.
ومنه قوله تعالى (٣٩ : ٥ (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ) تقول العرب كار العمامة على رأسه إذا أدارها ولفها ، وكورها بالتشديد صيغة مبالغة وتكثير ، فالتكوير فى اللغة إدارة الشىء على الجسم المستدير كالرأس ، فتكوير الليل على النهار نص صريح فى كروية الأرض وفى بيان حقيقة الليل والنهار على الوجه المعروف فى الجغرافية الطبيعية عند أهلها. ومثله قوله تعالى (٧ : ٥٤ (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً).
ومنه قوله تعالى (٣٦ : ٣٨ (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها) ـ إلى قوله ـ (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) فهو موافق لما ثبت فى الهيئة الفلكية مخالفا لما كان يقوله المتقدمون.
ومنه الآيات المتعددة الواردة فى خراب العالم عند قيام الساعة وكون ذلك يحصل بقارعة تقرع الأرض قرعا ، وتصخها فترجها رجا. وتبس جبالها بسا فتكون هباء منبثا ، وحينئذ تتناثر الكواكب ، لبطلان ما بينها من سنة التجاذب ، والآيات فى هذا وفيما قبله تدل دلالة صريحة على بطلان ما كان يقوله علماء اليونان ومقلدتهم من علماء العرب فى الأفلاك والكواكب والنجوم ، وعلى إثبات ما تقرر فى الهيئة الفلكية العصرية فى ذلك وفى نظام الجاذبية العامة ، ويجد القارىء تفصيل هذا فى عدة مواضع من هذا التفسير.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
