إعجاز القرآن بتحقيق مسائل كانت مجهولة للبشر
(الوجه السابع) اشتمال القرآن على تحقيق كثير من المسائل العلمية والتاريخية التى لم تكن معروفة فى عصر نزوله ، ثم عرفت بعد ذلك بما انكشف للباحثين والمحققين من طبيعة الكون وتاريخ البشر وسنن الله فى الخلق ، وهذه مرتبة فوق ما ذكرناه فى الوجه السادس من عدم نقض تقدم العلوم لشىء مما فيه ، ولا تدخل فى المراد من أخبار الغيب المبينة فى الوجه الخامس وإن كان لبعضها اتصال بقصص الرسل عليهمالسلام ونحن ننبه على كل ما علمناه من هذا النوع فى محله من تفسيرنا هذا ، ونشير هنا إلى بعضه.
فمن ذلك قوله تعالى (١٥ : ٢٢ (وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ) كانوا يقولون فيه إنه تشبيه لتأثير الرياح الباردة فى السحاب بما يكون سببا لنزول المطر بتلقيح ذكور الحيوان لإناثه ، ولما اهتدى علماء أوربة إلى هذا وزعموا إنه مما لم يسبقوا إليه من العلم صرح بعض المطلعين على القرآن منهم بسبق العرب إليه. قال مستر (أجنيرى) المستشرق الذى كان أستاذ اللغة العربية فى مدرسة اكسفورد فى القرن الماضى. إن أصحاب الابل قد عرفوا أن الريح تلقح الأشجار والثمار قبل أن يعلمها أهل أوربة بثلاثة عشر قرنا. ا ه نعم إن أهل النخيل من العرب كانوا يعرفون التلقيح إذ كانوا ينقلون بأيديهم اللقاح من طلع ذكور النخل إلى إناثها ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن الرياح تفعل ذلك ، ولم يفهم المفسرون هذا من الآية بل حملوها على المجاز.
ومنه قوله تعالى (٢١ : ٣٠ (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ، أَفَلا يُؤْمِنُونَ؟) أى أكذّب الذين كفروا بآياتنا ولم يعلموا أن السموات والأرض كانتا مادة واحدة ففتقناهما وخلقنا منها هذه الاجرام السماوية التى تظلهم ، وهذه الأرض التى تقلهم ، وهذه المادة هى المبينة فى قوله تعالى (٤١ : ١١ (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) الخ وهذا شىء لم يكن يعرفه العرب ولا غيرهم من أهل الأرض. وكذلك خلق كل الأشياء من الماء وهو أصرح فى الآية مما قبله.
ومنه قوله تعالى (٥١ : ٤٩ (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) وقوله (١٣ : ٣ (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) وهذه السنة الالهية فى النبات
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
