أو فهم بعض المفسرين ، ومن جمود الفقهاء المقلدين ، وبعضها من التحريف والتضليل. وقد رددنا نحن وغيرنا ما وقفنا عليه منها. وإنما العبرة بالنقض الذى لا يمكن لأحد أن يمارى فيه مراء ظاهرا مقبولا ، ولو وجد شىء من هذا فى القرآن لاضطرب العالم له اضطرابا عظيما ، كما أن العبرة فى التشريع بما جمع بين المصلحة العامة والفضيلة والرحمة ، والتشريع الاسلامى يفضل التشريع الأوربى المادى بهذا ويسبقه إلى السؤال ، وقد سبقه إلى العدل والمساواة.
(فإن قيل) إن كهنة أهل الكتاب يدعون مثلكم أن كتبهم المقدسة سالمة من التعارض والتناقض ومخالفة حقائق الوجود الثابتة ويتكلفون مثلكم لرد ما يورده عليهم علماء الكون والمؤرخون مخالفا لتلك الكتب.
(قلت) إن هذا النوع من مخالفة كلام الخالق لكلام الخلق يجب أن يكون مشتركا بين القرآن وغيره من الكتب الالهية كالتوراة والانجيل ، لو بقيت كما أنزلت من غير تحريف ولا تبديل ، ومن المعلوم من التاريخ بالقطع عندنا وعندهم أن التوراة التى كتبها موسى عليهالسلام ووضعها فى التابوت (صندوق العهد) وأخذ الميثاق على بنى إسرائيل بحفظها كما هو منصوص فى آخر سفر (تثنية الاشتراع) قد فقدت من الوجود عند ما أغار البابليون على اليهود وأحرقوا هيكل بيت المقدس ، والتوراة الموجودة الآن يرجع أصلها إلى ما كتبه عزرا الكاهن بأمر أرتحشستا ملك فارس الذى أذن لبنى إسرائيل بالعودة إلى أورشليم ، وأذن له أن يكتب لهم كتابا من شريعة الرب وشريعة الملك ، ولذلك تكثر فيها الألفاظ البابلية كثرة فاحشة ، وقد بينا تحقيق ذلك فى تفسير أول سورة آل عمران وبعض آيات من سورة النساء والمائدة. كما بينا أن إنجيل المسيح عليهالسلام لم يدون فى عصره ولم ينقل عنه وعن الحواريين كما نقل القرآن تواترا بالحفظ والكتابة ، ولا كنقل الحديث بالأسانيد المتصلة. وإنما ظهرت هذه الأناجيل التى هى قصص مختصرة له واشتهرت بعد ثلاثة قرون كما ظهر عشرات غيرها فاعتمد أربعة منها رؤساء الكنيسة التى أسسها قسطنطين ملك الروم الذى تنصر تنصرا سياسيا وأدخل النصرانية فى دور جديد ممزوج بالوثنية ورفضوا الباقى ، كما بيناه مفصلا فى الآيات التى أشرنا إليها آنفا فى الكلام على التوراة.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
