بها فى ظلمات الريب والمشكلات ، ويبصر على ضوئها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشهوات ، فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد ، وكاد بالنظر فيها يمشى على هداية وسداد ـ هجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث ، وعصب عينيه شيطان الغرور ، فذهب عنه ذلك النور ، وأطبق عليه جو الضلالة بل طفىء فيه نور الفطرة ، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه ، فهم بمنزلة الأعمى الأصم الذى لا يبصر ولا يسمع.
وأما الفريق الثانى فقد ضرب الله له المثل فى قوله (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ) الخ ، وهو الذى بقى له بصيص من النور ، فله نظرات ترمى إلى ما بين يديه من الهداية أحيانا ، ولمعانى التنزيل لمعان يسطع على نفسه الفينة بعد الفينة ، ويأتلق فى نظره الحين بعد الحين ، عند ما تحركه الفطرة ، أو تدفعه الحوادث للنظر فيما بين يديه ، ولكنه من التقاليد والبدع فى ظلمات حوالك ، ومن الخبط فيها على حال لا تخلوا من المهالك ، وهو فى تخبطه يسمع قوارع الانذار الإلهى ويبرق فى عينيه نور الهداية ، فاذا أضاء له ذلك البرق السماوى سار ، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرارة قام وتحير لا يدرى أين يذهب. ثم إنه ليعرض عن سماع نذر الكتاب ودعاة الحق ، كمن يضع إصبعيه فى أذنيه حتى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح ، يخاف من تلك القوارع أن تقتله ، ومن صواعق النذر أن تهلكه.
هذا هو شأن فريقى هذا الصنف بما يشير إليه المثلان إجمالا. وفى تفسير الآيات تفصيل ما أشرنا إليه.
قال تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) العرب تستعمل لفظ «الذى» فى الجمع كلفظى «ما» و «من» ومنه قوله تعالى (٩ : ٦٩ (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) وإن شاع فى «الذى» الافراد لأن له جمعا وقد روعى فى قوله «استوقد» لفظه ، وفى قوله (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) معناه ، والفصيح فيه مراعاة اللفظ أولا ، ومراعاة المعنى آخرا. والتفنن فى إرجاع الضمائر متفرعة ضرب من استعمال البلغاء ، يقرر المعني فى الذهن ويهبه فضل تمكن وتأكيد ، بما يحدث فيه من الروية والتوجه إلى الإحاطة بمعانى المختلفات.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
