قفّى على ذلك التفصيل فى شر فرقه وأطوارهم بضرب المثل الذى يقصد به تجلى المعنى فى أتم مجاليه ، وتأثر النفوس بما أودع فيه ، ناهيك بما فى التنقل فى الأساليب من توجيه الذهن إلى سابق القول ودعوة الفكر إلى مراجعة ما مضى منه. ولو لا أن بلاء هذا الصنف عظيم ، وداءه دفين ، وعلاجه متعسر ـ لأنه متولد من الدواء الذى كان يجب أن تكون فيه الصحة ونعمة العافية ـ لما كان من البلاغة ولا من الحكمة ، أن يعنى بشأنه كل هذه العناية ، كما قلنا فى تزييف رأى من ذهب إلى أن الكلام فى تلك الشرذمة من المنافقين فى عصر التنزيل
ضرب الله تعالى لهذا الصنف فى مجموعه مثلين ، ينبئان بانقسامه إلى فريقين ، خلافا لما فى أكثر التفاسير فى أن المثلين لفريق واحد ، وأن معناهما وموضوعهما واحد
(الأول) من آتاهم الله دينا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمرها ، وصلح حالهم بها ، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة ، آخذين بإرشاد الوحى ، واقفين عند حدود الشريعة ، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم فى الأخذ بها ظاهرا وباطنا ، ولم ينظروا فى حقائق ما جاءهم ؛ بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة إنما كان أمرا خصوا به ، أو خيرا سيق إليهم ، لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم ، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم ، ولم تصلح به ضمائرهم ، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع فى نفوسهم مجالا لغيرها ، ولذلك لم يتفكروا قط فى كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم ، لأن حفظ الموجود ، أيسر من إيجاد المفقود ، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذى اقتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان ، ونجوم الفرقان ، لزعمهم أن فهمه لا يرتقى إليه إلا أفراد من رؤساء الدين ، يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا ، وبكتبهم إذا فقدوا
فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول فى فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية ، وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة ، وانطماس الآثار دونها عنده ـ مثل من استوقد نارا الخ. والوجه فى التمثيل : أن من يدعى الايمان بكتاب نزل من عند ربه قد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدى بها فى الشبهات ، ويستضىء
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
