أقول : استوقد النار طلب وقودها بفعله أو فعل غيره ، وقالوا : إنه بمعنى أوقدها ويرجع إلى الأول بأنه طلب باضرامها وايرائها أن تقد. يقال : وقدت النار تقد وتوقدت واتقدت واستوقدت ـ لازم ـ ومعني الجملة فى منافقى اليهود قد تقدم آنفا بالإجمال ، وسيجىء تفصيله. وأما منافقو العرب ـ الذين قال تعالى فيهم من سورتهم (٦٣ : ٣ (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) الآية ـ فيقال فيهم : مثلهم وصفتهم فى إسلامهم أولا وكفرهم آخرا كمثل فريق من الناس أوقد نارا لينتفع بها فى ليلة حالكة الظلام ، ويبصر ما حوله مما عساه يضره ليتقيه ، أو ينفعه ليجتنيه (فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ) يقال ضاءت النار والشمس وأضاءت ـ لازم ـ ويقال ضاء المكان وأضاءته النار أى أظهرته بضوئها. قال العباس (رض) فى النبى صلىاللهعليهوسلم
|
وأنت لما ظهرت أشرقت الأر |
|
ض وضاءت بنورك الأفق |
والمعنى المتبادر : فلما أضاءت النار ما حوله من الأمكنة والأشياء وتمكن من الانتفاع بها والاستضاءة بنورها (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) باطفاء نارهم بنحو مطر شديد نزل عليها ، أو عاصف من الريح حرفها وبددها ، وهذا بالنسبة إلى المثل ، وأما بالنسبة إلى المضروب فيهم المثل من العرب ، فالنور نور الاسلام الذى أضاء قلوب من حولهم من المؤمنين المخلصين (٣٩ : ٢٢ (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) وذهابه فى الدنيا ما عرض لهم من الشك أو الجزم بالكفر حتى لم يعودوا يدركون منافعه وفضائله ، وأما ذهابه بعدها فأوله الموت. فإن المنافق يرى بالموت أو قبيل خروج روحه منزلته بعدها ، وبعده ظلمة القبر أى حياة البرزخ ، وبعدها موقف الحساب والجزاء (٥٧ : ١٣ ـ ١٥ (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ـ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ، يُنادُونَهُمْ : أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ قالُوا : بَلى ، وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ ، وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ ، حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) الخ الآية التالية ، وفى هاتين الآيتين أصدق بيان للمراد من ذهاب الله بنورهم ، وكونه ليس إجبارا لهم على الكفر ، ولا عبارة عن سلبهم التمكن من الإيمان ، وإنما هو تعبير عن سنة الله تعالى فى عاقبة فتنتهم لأنفسهم الخ
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
