أسراره ، واقتباس أنواره. ولا يذهبن الوهم إلى أن اشتراء الضلالة بالهدى يفيد أنهم كانوا مهتدين ثم تركوا الهدى للضلالة ، فيتناقض أول الآية مع آخرها ، إذ ليس لكل من منح الهدى يأخذ به فيكون مهتديا ، وهؤلاء حمّلوه ، فباعوه ولم يحملوه ، وينظر إلى هذا الاشتراء ، ويشبهه الاستحباب فى قوله تعالى (٤١ : ١٧ (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى) والله أعلم.
ومن مباحث الأداء قراءة حمزة والكسائى (الهدى) بالامالة أى جعل مدها بين الألف والياء ، وهى لغة بنى تميم ، وعدم الإمالة لغة قريش وهى الفصحى ، ولما كان يعسر على لسان من اعتادها تركها أذن الله تعالى بها فيما أقرأ جبريل النبى صلىاللهعليهوسلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ) (١٨) (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ.)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أقول : المثل بفتحتين والمثل بالكسر والمثيل كالشبه والشبه والشبيه وزنا ومعنى فى الجملة ، وهو من مثل الشىء مثولا إذا انتصب بارزا فهو ماثل. ومثل الشىء ـ بالتحريك ـ صفته التى توضحه وتكشف عن حقيقته أو ما يراد بيانه من نعوته وأحواله. ويكون حقيقة ومجازا ، وأبلغه : تمثيل المعانى المعقولة بالصور الحسية وعكسه ومنه الأمثال المضروبة وتسمى الأمثال السائرة ، وسيأتى تحقيق معناها فى تفسير (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما) ومنه ما يسميه البيانيون الاستعارة التمثيلية وهو خاص بالمجاز. والتمثيل أمثل أساليب البلاغة وأشدها تأثيرا فى النفس وإقناعا للعقل ، قال تعالى (٢٩ : ٤٣ (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) وما رأيت أحدا من علماء البلاغة وفاه حقه من البيان المقنع إلا إمامهم الشيخ عبد القاهر الجرجانى فى كتابه (أسرار البلاغة) وهاك ما كنت كتبت فى تفسير هذا المثل ثم ما بعده إجمالا ثم تفصيلا ، مقتبسا معانيه من دروس أستاذنا الامام :
هذا مثل من مثلين ضربهما الله فى هذه الآيات للصنف الثالث من الناس الذين قرع القرآن أبواب قلوبهم. وكان من عناية الله تعالى فى بيان حاله أن
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
