يرسل اليهم نبيا يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصر التقاليد ، وأغلال التقيد بارادة العبيد ، ويرعى جميع الامم بقضيب من حديد ، فيرجع للعقول نعمة الاستقلال ، ويجعل إرادة الأفراد هى المصرفة للأعمال فكان عندهم بذلك حظ من هداية العقل والمشاعر وهداية الدين والكتاب ، ولكن نجمت فيهم الاحداث والبدع ، وتحكمت فيهم العادات والتقاليد ، وعلا سلطان ذلك كله على سلطان الدين ، فضل الرؤساء فى فهمه ، بتحكيم تقاليدهم فى أحكامه وعقائده ، بضروب من التحريف والتأويل. وأهمل المرءوسون العقل والنظر فى الكتاب بحظر الروساء وأثرتهم ، فكان الجميع على ضلالة فى استعمال العقل وفى فهم الكتاب ، بعد أن كانا هدايتين ممنوحتين لهم لاسعادهم ، وكانت المعاوضة عند الفريقين فى ذلك بالمنافع الدنيوية : للرؤساء المال والجاه والتعظيم والتكريم باسم الدين ، وللمرؤسين الاستعانة بجاه رؤساء الدين على مصالحهم ومنافعهم ، ورفع أثقال التكاليف ، بفتاوى التأويل والتحريف. هكذا استحبوا العمى على الهدى ـ وهو العقل والدين ـ رغبة فى الحطام ، وطمعا فى الجاه الكاذب (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) فى الدنيا ، إذ لم تثمر لهم ثمرة حقيقية ، بل خسروا وخابوا باهمالهم النظر الصحيح الذى لا تقوم المصالح ولا تحفظ المنافع إلا به. وإسناد الربح إلى التجارة عربى فى غاية الفصاحة لأن الربح هو النماء فى التجر ، وهذه المعاوضة هى التى من شأنها أن تثمر الربح ، فاسناده إليها نفيا أو إثباتا إسناد صحيح لا يحتاج إلى التأويل [كأنه قيل فلم يكن نماء فى تجارتهم. على أن ذلك التأويل المعروف من أن إسناد الربح إلى التجارة لأنها سببه والوسيلة إليه وأن العبارة من المجاز العقلى ـ تأويل يتفق مع البلاغة ولا ينافيها ، ولا زال المجاز العقلى من أفضل ما يزين البلغاء به كلامهم. ويبلغون به ما يشاءون من تفخيم معانيهم] (وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) فى دينهم لأنهم لم يأخذوه على وجهه ولم يفهموه حق فهمه أو ما كانوا مهتدين فى هذه التجارة لأنهم باعوا فيها ما وهبهم الله من الهدى والنور بظلمات التقاليد وضلالات الاهواء والبدع التى زجوا أنفسهم فيها ـ أو ما كانوا مهتدين فى طور من الاطوار ولا مس الرشد قلوبهم فى وقت من الأوقات لأنهم نشؤا على التقليد الاعمى من أول وهلة ولم يستعملوا عقولهم قط فى فهم
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
