فيضانه الحد المألوف. والمدّ الزيادة فى الشىء متصلة به ، يقال : مد البحر زاد وارتفع ماؤه وانبسط ومده الله قال تعالى (٣١ : ٢٨ (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ) ومد البحر يقابله الجزر ، وهو انحسار مائه عن الساحل ونقصان امتداده. ويسمى السيل مدا من قبيل التسمية بالمصدر ، ومنه المدة من الزمان ، والمدد ـ بالتحريك ـ للجيش. يقال مده وأمده. قال تعالى (١٩ : ٧٥ (قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا* حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ) ـ إما العذاب وإما الساعة ـ (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً) وسيأتى مزيد ييان لهذا المعنى فى تفسير قوله تعالى من سورة الانعام (٦ : ١٠٩ (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ. كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) والمعنى : أن سنة الله تعالى فى الذين وصلوا إلى هذه الغاية من فساد الفطرة هو ما بينه بقوله فيهم : (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) المشار إليه بأولئك هم الذين بينت حالهم الآيات السابقة بأنهم يقولون : (آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) الخ وهو صريح فى أن طغيانهم وعمههم من كسبهم ، ولم يجبروا عليه بخلق ربهم. قال الأستاذ : وقد فسروا «اشتروا» باستبدلوا وهو غير سديد لان بين اللفظين فصلا فى المعنى ، وكلنا نعتقد ـ والحق ما نعتقد ـ أن القرآن فى أعلى درج البلاغة لا يختار لفظا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه ، ولا يرجح أسلوبا على أسلوب يمكن تأدية المراد به ، إلا لحكمة فى ذلك وخصوصية لا توجد فى غير ما اختاره ورجحه. ووجه إختياره «اشتروا» على استبدلوا أن الأول أخص من وجهين :
أحدهما : أن الاستبدال لا يكون شراء إلا اذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه ، سواء كانت الفائدة حقيقية أو وهمية
ثانيهما : أن الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال ، فاذا أخذت ثوبا من ثيابك بدل آخر ، يقال إنك استبدلت ثوبا بثوب ، فالمعنى الذى تؤديه الآية : أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بازائها يعتقدون الحصول عليها من الناس ، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح ، وهذا هو معنى الاشتراء والشراء ، ومثلهما البيع والابتياع ، ولا يؤديه مطلق الاستبدال
ذلك بأنه كان عندهم كتب سماوية فيها مواعظ وأحكام ، وفيها بشارة بأن الله
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
