بكونها أمة وسطا تقوم على جادة الاعتدال ، فى العقائد والأخلاق والأعمال ، وتسعى فى إصلاح البشر ، بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. كما سيأتى فى تفسير (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) وتفسير (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وليس عند هؤلاء السفهاء شىء من هذه الصفات ، إلا الأمانىّ والتعلات.
وأزيد فى هذا السياق الذى شرحت به قول شيخنا فى الدرس : تذكير هؤلاء المرضى القلوب من المسلمين ، الذين اتبعوا سنن من قبلهم فى هذا كما اتبعوهم فى غيره «شبرا بشبر وذراعا بذراع» كما ورد فى حديث الصحيحين ـ أزيد فيه تذكيرهم بقوله تعالى فى أهل الكتاب الآتى فى هذه السورة ـ (لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) وقوله فيهم وفى أفضل سلف هذه الامة من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ورضى عنهم : (٤ : ١٢٢ ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب ، من يعمل سوءا يحز به ، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) الآيات.
ثم أقول : إن جريان هذا السؤال والجواب فى منافقى العرب أظهر مما قبله ـ فعبد الله بن أبىّ ابن سلول وأصحابه من منافقى المدينة كانوا أبعد عن الإيمان وأدنى إلى مخادعة الله ورسوله والمؤمنين من منافقى اليهود فى أنفسهم وقومهم ومع المؤمنين. ولا شك أنهم كانوا يعدون المؤمنين الصادقين سفهاء الأحلام ، فى اتباعهم للرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السّلام ، أما المهاجرون منهم فلأنهم عادوا قومهم وأقاربهم وهجروا وطنهم وتركوا ديارهم ليكونوا تابعين له. وأما الأنصار فلأنهم شاركوا المهاجرين فى ديارهم وأموالهم. وكون هذا من السفه عند غير المؤمن بهذا الرسول صلىاللهعليهوسلم وما جاء به ظاهر جلىّ ، ولذلك نفى عنهم الشعور يأنهم هم السفهاء دون المؤمنين ، ويؤيد ما قلته : ما حكاه الله تعالى عنهم فى سورتهم بقوله (٦٣ : ٧ (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ).
هذا ـ وإننا أشرنا إلى نكتة اختلاف التعبير فى نفى الشعور عن المنافقين فى موضعين ونفى العلم فى موضع واحد من هذه الآيات. وأزيد عليه فى نكتة نفى العلم الآن ما ينبه الأذهان ، إلى دقة التعبير فى القرآن. وهو أن أمر الإيمان لا يتحقق
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
