الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وهم سلف اليهود الذين كان الكلام معهم ، وكانوا يفتخرون بما يتناقلونه من سيرتهم. فرد الله تعالى عليهم بقوله :
(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ) أى وحدهم دون من عرّضوا بهم ، لأن لهم سلفا صالحا تركوا الاقتداء بهم ، زعما أن المتأخر ، لا يمكن أن يكون على هدى المتقدم لأنه يصعب أو يتعذر عليه اللحاق به ، واحتذاء عمله ، لعلوه فى الدرجة ، وبعده فى المنزلة ، وأن حظهم من سلفهم انتظار شفاعتهم ، وإن لم يسيروا على سنتهم ، فأى الفريقين أجدر بلقب السفيه ، أهم أولئك اليهود الذين لهم أسوة صالحة ولكنهم لا يهتدون بها وهذه حالهم من سوء العقيدة وقبح العمل أم من لا سلف له إلا عبدة الأوثان ، وقلبه مع ذلك مطمئن بالايمان ، وأعماله تشهد له بالاحسان ، كالصحابة الذين هداهم الله بنور الاسلام ، فكانوا كأتباع أولئك الأنبياء الكرام ، بل ربما سبقوهم بالفضائل ، وزادوا عليهم فى الفواضل؟ لا شك أن أولئك المفسدين بعد ما تقدم لهم من سلف صالح ، ودين قيم ، هم السفهاء ، دون هؤلاء العقلاء.
(وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ) أن السفه محصور فيهم ، ومقصور عليهم ، وإنما عندهم شعور ما بأنهم ركبوا هواهم ، ولم يتبعوا هدى سلفهم ولا هداهم ، ينتحلون له العلل الضعيفة ، ويتمحلون له الاعذار السخيفة ، فهو لم يصل إلى حد العلم الذى تتكيف به النفس. ويكفى فى إثبات سفههم أنهم يعرفون حسن حال سلفهم ، ويعترفون به ، ولكن لا يقتدون بهم ، ولا يقتفون أثرهم ، وإنما يعتمدون فى نجاتهم وسعادتهم على تلك الأمانى والتعلات ، كقولهم (٣ : ٢٤ (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) وقولهم (٥ : ١٨ (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) وشعبه وأصفياؤه ؛ ولا يصح نفى الشعور عنهم فى هذا المقام مع ذلك الاعتراف ، وانما هو نفى العلم الكامل الذى يزيل الشبه ويذهب بالعلل ، ويبعث على الاقتداء بالعمل.
وهذا أيضا حجة على كثير من اللابسين لباس الاسلام ، وهم من هذا الصنف يعتقدون كمال سلفهم ، ولا يقتدون بهم ، وانما يطمعون فى سعادة الدنيا والآخرة بانتسابهم إلى أولئك السلف العظام ، ولكونهم من أمة النبى عليه الصلاة والسّلام وهى خير الامم بشهادة الله فى القدم ، ولكنهم لا يعلمون أنها فضلت سواها
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
