فى بيان مهمات المسائل وحل عويص المشاكل ، يقولون : إذا قيل كذا قلنا كذا ، وإن سئلنا عن هذا أجبنا بكذا. وأما الفرق بين الشرطين فى مثل هذا الأسلوب فالبلاغة تقتضى أن يكون السؤال باذا عما كان سببه قويا من شأنه ألا يسكت عنه ، ويصدر بإن إذا كان سببه ضعيفا ولكنه محتمل ، فيجاب عنه إحتياطا.
ثم أقول : إن ما تقدم مبنى على أن السؤال والجواب فى بيان حال منافقى اليهود ، وهو المختار عند شيخنا. وقد ورد فى التفسير المأثور جعله فى بيان حال منافقى المدينة من العرب كعبد الله بن أبىّ ابن سلول وحزبه. فانهم كانوا يفسدون فى الأرض بالتشكيك فى الدين ، وبتفريق كلمة المؤمنين ، كما فعلوا فى غزوة أحد ثم فى غزوة تبوك ، فكان هذا شأنهم وإن كانت الغزوتان بعد نزول هذه السورة. وروى تفسير إفسادهم بالكفر والمعاصى ، وما قلناه منه ولكنه أخص وهو المتبادر. ودعواهم أن هذا إصلاح كدعواهم الإيمان ، وكل مفسد وضال يسمى إفساده وضلاله بأسماء حسنة ، كما يسمون الشرك بالله فى زمننا بدعاء غيره : توسلا .. وعن ابن عباس أنهم كانوا يقولون : إنما نريد الاصلاح بين الفريين من المؤمنين وأهل الكتاب
ثم صورت الآيات ذلك الجهل والغرور فى الفريقين بصورة أخرى أشد تشويها مما قبلها ، لأن تلك صورتهم فى عملهم ، وهذه صورتهم فى جوهر إيمانهم ، وهى (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ) الذين تعتقدون كما لهم وترون تعظيمهم وإجلالهم ، كابراهيم وموسى وعيسى وأتباعهم ، الذين كان الايمان راسخا فى جنانهم ، ومؤثرا فى وجدانهم ، ومصرفا لأبدانهم ، أو كعبد الله بن سلام وأمثاله من علمائكم ، (قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) أقول : المراد بالسفه الطيش وخفة العقل وضعف الرأى. ومن لوازمه سوء التصرف. ومنه قيل : زمام سفيه : كثير الاضطراب لمرح الناقة ومنازعتها إياه ـ وثوب سفيه : ردىء النسج ، واستعمل فى خفة النفس لنقصان العقل ، وفى الأمور الدنيوية والأخروية. فقيل سفه نفسه ، ويعنون بالسفهاء أتباع النبى صلىاللهعليهوسلم الواقفين عند ما كان عليه ، المعرضين عن غير ما أنزل إليه ، لما تضمنه الأمر من الشهادة لهم بانهم فى إيمانهم كأتباع أولئك
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
