وهو لا ينفى رياءهم فى غيره من أقوالهم وأفعالهم. وقد كان لأولئك الأحبار والرؤساء من الإفساد غير ما ذكر ، ومنه إغراء المشركين بقتال النبى صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين ووعدهم بمساعدتهم عليه ، وهذا إفساد كبير فى الأرض ، وكانوا يستبيحونه بأنه توسل إلى حفظ سلطتهم ورياستهم المهددة باتباع محمد صلىاللهعليهوسلم.
ولم يذكر فيما كتبت عنه رأيه فيمن سألهم وقال لهم ما ذكر وأجابوه بهذا الجواب ، هل هو الله تعالى أو الرسول صلىاللهعليهوسلم أو المؤمنون؟ وهى الاحتمالات التى ذكرها المفسرون ـ وزاد بعضهم رابعا وهو أن يكون بعضهم سأل بعضا لما كانوا عليه من اختلاف الحال وتباين الآراء ، كما قال تعالى فيهم (٥٩ : ١٤ (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) فأى مانع لنهى بعضم لبعض عن نكث ما عاهدهم عليه النبى صلىاللهعليهوسلم من إقرارهم على دينهم وحفظ أموالهم وأنفسهم بأن لا يؤلبوا عليه المشركين ولا يساعدوهم عليه ـ وأن يقولوا للناكثين المفسدين : إن الحرب فساد عظيم لا يؤمن أن يتعدى إلينا شرها فيطير من شررها ما نحترق به ، فدعوا تأليب قوم محمد عليه؟ ـ ثم أى مانع يمنع أن يجيبهم أولئك المفسدون ككعب بن الاشرف : إنما نحن مصلحون بمساعدة قومه عليه ، لأننا نخشى منه ما لا نخشى منهم ، فقد عشنا معهم أجيالا لم ينازعنا منهم أحد فى صحة ديننا ، لأنهم لا يدعون إلى شركهم ولا يحتقرون ما نحن عليه من الدين ، بل يروننا فوقهم فى العلم ، ومنهم من يعطينا أولاده لتربيهم ولا يكرهون أن نلقنهم ديننا ، وأما محمد فيقول إننا ضللنا عن ديننا نفسه ويعيبنا بتحريف سلفنا وخلفنا لكتابنا ، وبما كان من مخازى تاريخنا ، كقتل الانبياء ، ونكث العهود ، وأكل السحت. فاذا كان له الغلب على مشركى قومه لا نأمن أن يبقى لنا ديننا ومكانتنا السامية فى بلاد العرب ، وإن هو حفظ عهده لنا ، ولم يغدر فيقاتلنا ، فكيف إذا هو غدر بنا وقاتلنا بعد الفراغ من قومه؟
هذا أقرب إلى المعقول مما قاله المفسرون فى السؤال والسائل ، وفيه وجه آخر لعله أقوى ، وهو أن السؤال والجواب مفروضان فرضا ، والمراد بيان حالهم فى هذا الامر وما تنطوى عليه جوانحهم بصيغة السؤال والجواب التى هى أقوى أساليب الكلام تنبيها للاذهان ، وتوجيها لها الى الاحاطة بمعانى الكلام ، ولذلك يستعملها العلماء
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
