على اختلال مزاج النفس ، وما يخل بكمالها من نفاق وجهل ، وارتياب وشك ، وغير ذلك من فساد الاعتقاد الحق ، واضطراب حكم العقل وفساد الخلق ، والمرض هنا من النوع الثانى كما تقدم آنفا ، وخصه شيخنا بمنافقى اليهود ، فقال ما معناه. كان فى قلوبهم مرض قبل مجىء النذير ، وبيان الرشد من الغى ، عند ما كانوا فى فترة حظهم من الكتب قراءة ألفاظها ، ومن الأعمال إقامة صورها ؛ (فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) بعد ما جاءهم البرهان المنير ببعثة البشير النذير ، ووجدوا منه زعزعة فى أنفسهم ؛ ولكن أخذتهم العزة بالاثم فأبوا الايمان ؛ ونبوا عن القرآن ؛ [وزاد تمسكهم بما كانوا عليه واشتد حرصهم عليه] فكان شعاع النور الذى جاء به الرسول عمى فى أعينهم ؛ ومرضا على مرضهم (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أى عذاب مؤلم فوق هذه الأمراض ؛ و «أليم» صيغة فعيل من ألم يألم فهو أليم وصف به العذاب نفسه (بِما كانُوا يَكْذِبُونَ) [فى دعواهم الايمان بالله واليوم الآخر ؛ فانهم لم يصدقوا بأعمالهم ؛ ما يزعمونه من حالهم]
أقول : وأما مرض منافقى المدينة من العرب فهو الشك فى نبوته صلىاللهعليهوسلم كما روى عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما وعن الأول : أنه النفاق. وعن بعض تلاميذه : الرياء. وحسبك فى زيادة مرضهم قوله تعالى (٩ : ١٢٥ (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؟) ـ إلى قوله ـ (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ)
أقول : قرأ عاصم وحمزة والكسائى (يكذبون) بالتخفيف أى بسبب كذبهم ؛ وقرأ الباقون (يكذبون) بالتشديد أى ولهم عذاب أليم بسبب تكذيبهم النبي صلىاللهعليهوسلم والحكمة فى القرائتين : اثبات جمعهم للرذيلتين ، أى الكذب فى دعوى الايمان ، وتكذيب النبى صلىاللهعليهوسلم والسّلام ، والثانية سبب الأولى ؛ وهم إنما كانوا يكذبونه فى أنفسهم ، وفيما بينهم إذا خلوا إلى شياطينهم والعذاب عقوبة عليهما معا ، أى على التكذيب وهو الكفر وعلى الكذب فى دعوى الايمان وهو النفاق. وهؤلاء فى باطنهم شر من الذين كفروا عنادا من رؤساء قريش ، فانهم لم يكونوا يكذبونه صلىاللهعليهوسلم وإنما كانوا يجحدون جحود استكبار. قال تعالى (٦ : ٣٣ (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ)
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
