قال شيخنا : والقراءة الأولى هى المشهورة والعذاب فيها مقرون بالكذب لا بالتكذيب. وقد يقال : لم جعل العذاب جزاء الكذب دون الكفر؟ والجواب : أن الكفر داخل فى هذا الكذب ، وإنما اختير لفظ الكذب فى التعبير للتحذير عنه ، وبيان فظاعته وعظم جرمه ، ولبيان أن الكفر من مشتملاته ، وينتهى إليه فى غاياته ، ولذلك حذر القرآن منه أشد التحذير ، وتوعد عليه أسوأ الوعيد ، وما فشا الكذب فى قوم إلا فشت فيهم كل جريمة وكبيرة ، لأنه ينشأ من دناءة النفس وضعف الحياء والمروءة ، ومن كان كذلك لا يترك قبيحا إلا بالعجز عنه ، نعوذ بالله تعالى من عمله ومنه. ا ه بالمعنى وقد علمت أن السؤال لا يرد إلا على قراءة التشديد
(١١) (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (١٢) (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (١٣) (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ؟ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ)
تنطق هذه الآيات بأن ما عليه هذا الصنف من الغرور بما عنده من التقاليد قد سول له الباطل وزين له سوء عمله فرآه حسنا ، وشوه فى نظره كل حق لم يأته على لسان رؤسائه ومقلديه بنصه التفصيلى ، فهو يراه قبيحا ، وقد صورت الآيات هذا الغرور بما حكته عن بعض أفراده وهو : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بما تصدون عن سبيل الله من آمن وتبغونها عوجاء ، وتنفرون الناس عن اتباع محمد صلىاللهعليهوسلم والأخذ بما جاء به من الاصلاح ، الذى يجتث أصول الفساد ، وبصطلم جراثيم الأداد ، ويحيى ما أماتته البدع من إرشاد الدين ، ويقيم ما قوضته التقاليد من سنن المرسلين (قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ) بالتمسك بما استنبطه الرؤساء ، وما كان عليه الأحبار والعرفاء ، من تعاليم الانبياء ، فانهم أعرف بسنتهم ، وأدرى بطريقتهم ، فكيف ندع ما تلقيناه منهم ، ونذر ما يؤثره آباؤنا وشيوخنا عنهم ، ونأخذ بشىء جديد ، وطارف ليس له تليد؟
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
