إلى الأخذ به ظاهرا وباطنا. وقد عبر القرآن عن فقد أمثال هؤلاء لهذا بقوله (٧ : ١٧٩ (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها) وربما كان التعبير عن العقول بالقلوب فى مثل هذا المقام ، لأن القلب يظهر فيه أثر الوجدان الذى هو السائق إلى الأعمال [يظهر لك ذلك بما تجده من اضطراب قلبك عند اشتداد الخوف أو اشتداد الفرح ، فانك تحس بزيادة ضرباته وشدة نبضاته] فصورة الاعتقاد إذا تناولها العقل من طريق التقليد والتسليم ، فجعلها فى زاوية من زوايا الدماغ ، لم يكن لها سلطان على القلب ولا تأثير فى الوجدان ، واعتقاد لا يصحبه هذا السلطان ولا يصدر عنه هذا التأثير ، لا يعتد الله تعالى به ولا يستفيد الإنسان منه كما تقدم آنفا ، فمن لم يطرق الايمان قلبه بقوة البرهان ولم يحل مذاقه منه فى الوجدان ، بحيث يكون هو المصرف له فى أعماله لا ينفعه إيمانه ، إلا اذا تمرن على الأعمال الصالحة عن فهم وإخلاص ، حتى يحدث لقلبه الوجدان الصالح ، فأهل اليقين يبعثهم يقينهم على العمل الصالح ، وأهل التقليد تلحقهم أعمالهم الصالحة بأهل اليقين فى الانتفاع بإيمانهم ، وهذا الفريق الذى تحكى عنه الآيات ، وتصفه بالكذب والخداع ، قد فقد الأمرين معا ، ولا صحة للقلب إلا بهما ، فمن فقدهما مرض ولا يلبث مرضه أن يقتله.
قال الأستاذ الامام ما معناه : ولضعف العقل أسباب. منها : ما هو فطرى كما هو حال أهل البله والعته ، وهو الذى لا يكلف صاحبه ولا يلام ، ومنها : ما يكون من فساد التربية العقلية كما هو حال المقلدين الذين لا يستعملون عقولهم ، وإنما يكتفون بما عليه قومهم من الأوهام والخيالات ، ويرين على قلوبهم ما يكسبونه من السيئات ، وما يكونون عليه من التقاليد والعادات ، ولا يعتنون بما أمر الله به من تمزيق هذه الحجب ، وإزالة هذه السحب ، للوقوف على ما وراءها من مخدرات العرفان ، ونجوم الفرقان وشموس الايمان ، بل يكتفون بما حكى الله عنهم فى قوله (٤٣ : ٢٣ (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) حتى يجىء اليوم الذى يقولون فيه (٣٣ : ٦٧ (رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا).
وأقول : إن المرض فى أصل اللغة : خروج البدن عن اعتدال مزاجه وصحة أعضائه فيختل به بعض وظائفها وأعمالها ، وتعرض الآلام لها. ويطلق مجازا
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
