ولا ثبات لهم ولا قوام ، وكان منهم فى زمن النبى صلىاللهعليهوسلم جماعة من المشركين واليهود ولم يلبثوا أن انقرضوا
قال الاستاذ : كنت قلت فى هذا المعنى كلمة جديرة بأن تحفظ وهى «إن جحود الحق مع العلم به كاليقين فى العلم (١) كلاهما قليل فى الناس»
(ومنهم) من لا يعرف الحق ولا يريد ولا يحب أن يعرفه وهم الذى قال الله تعالى فيهم (٨ : ٢٢ ، ٢٣ (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ* وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) فهؤلاء كلما صاح بهم صائح الحق فزعوا ونفروا ، وأعرضوا واستكبروا ، ففى أنفسهم شعور بالحق ولكنهم يجدون فيها زلزلة ، كلما لاح لهم شعاعه يحجبونه عن أعينهم بأيديهم ، وسبب ذلك : أنهم لم يستعملوا أنظارهم فى فهم الحق ، ويخافون لو استعملوها أن ينقصهم شىء مما يظنونه خيرا ، ويتوهمونه معقودا بعقائدهم التى وجدوا عليها آباءهم وساداتهم
[ومنهم : من مرضت نفسه واعتل وجدانه ، فلا يذوق للحق لذة ، ولا تجد نفسه فيه رغبة ، بل انصرف عنه إلى هموم أخر ملكت قلبه وأسرت فؤاده ، كالهموم التى غلبت أغلب الناس اليوم على دينهم وعقولهم ، وهى ما استغرقت كل ما توفر لديهم من عقل وإدراك ، واستنفدت كل ما يملكون من حول وقوة ، فى سبيل كسب مال أو توفير لذة جسمانية ، أو قضاء شهوة وهمية ، فعمى عليهم كل سبيل سوى سبل ما استهلكوا فيه ، فاذا عرض عليهم حق أو ناداهم إليه مناد ، رأيتهم لا يفهمون ما يقول الداعى ، ولا يميزون بين ما يدعو إليه ، وبين ما هم عليه ، فيكون حظ الحق منهم الاستهزاء والاستهانة بأمره ، فاذا وعدهم أو أوعدهم النذير ، قالوا لا نصدق ولا نكذب ، حتى ننتهى إلى ذلك المصير ، وهذا القسم كالذى قبله كثير العدد فى الناس فى كل زمان ومكان ، خصوصا فى الأمم التى يفشو فيها الجهل ، وتنطمس من أفرادها أعين الفطرة ، وتتضب من أنفسهم ينابيع الفضائل ، فيصبحون كالبهائم السائمة ، لا هم لهم إلا فيما يملأ بطونهم ، أو يداعب أوهامهم ،
__________________
(١) يعنى اليقين المنطقى الذى ينتهى العلم به إلى حد الضرورة ، كما تقدم. واشتراطه فى الايمان الشرعى يقتضى قلة المؤمنين فى كل زمان.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
