[أو ذوق العارفين أو ثقة الناقلين بمن نقلوا عنه ليكون معتمدهم فيما يعتقدون بعد التحرى والتمحيص وليس لهؤلاء أن يلزموا غيرهم ما ثبت عندهم ، فإن ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصة به لا يمكن لغيره أن يشعر بها حتى يكون له مع المنقول عنه فى الحال مثل ما للناقل معه ، فلا بد أن يكون عارفا بأحواله وأخلاقه ودخائل نفسه ، ونحو ذلك ما يطول شرحه ، ويحصل الثقة للنفس بما يقول القائل]
وأقول : معنى هذا أن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من ثبتت عنده واطمأن قلبه بها ، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها ، ولذلك لم يكن الصحابة رضى الله عنهم يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث ، ويدعون إليها مع دعوتهم إلى اتباع القرآن والعمل به وبالسنة العملية المتبعة المبينة له إلا قليلا من بيان السنة ، كصحيفة على كرم الله وجهه المشتملة على بعض الأحكام كالدية وفكاك الأسير وتحريم المدينة كمكة. ولم يرض الامام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحملا الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ. وإنما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة. وعلى من وثق برواية أحد وفهمه لشىء منها أن يأخذه عنه ، ولكن لا يجعل ذلك تشريعا عاما. وأما ذوق العارفين ، فلا يدخل شىء منه فى الدين ، ولا يعد حجة شرعية بالإجماع ، إلا ما كان من استفتاء القلب فى الشبهات ، والاحتياط فى تعارض البينات.
(٦) (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٧) (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)
قال الأستاذ : كان الذى تقدم بيانا من الله تعالى لصنفين من الناس لهم فى القرآن هداية ولنفوسهم إلى الاهتداء به انبعاث (الأول من الصنفين) أولئك الذين ببلغهم لأول مرة ، وهم ممن يخشى الله ويهاب سلطانه ، وفى أصول اعتقادهم الإيمان بما وراء الحس على ما تقدم (والثانى) أولئك الذين آمنوا بما أنزل إلى النبى صلىاللهعليهوسلم وما أنزل من قبله
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
