فلا بدّ فيه من ذكر مقدّمة فنقول ان تركب المركّب امّا خارجىّ كتركب زيد من اجزائه وامّا ذهنى وهو ما كان الشيء مركّبا بتركب نفس وكان ظرف التركيب هو الذّهن كتركّب الانسان الذى هو فى الخارج شيء واحد بسيط اجمالى عن الحيوان الناطق وامّا جعلى وهو ان لا يكون هنا تركب فى الخارج ولا فى الذهن نفسا بل كان تركب جعلى حاصل من اعتبار المعتبر كما لو تصوّر الواضع مثلا الارض والسماء بهيئتهما التركيبيّة ووضع لفظا بازاء المجموع من حيث المجموع وهذا التركيب ايضا ذهنى فى الحقيقة لكنه جعلى لا نفسى او اصلى
اذا عرفت ذلك فاعلم ان تركّب الامر من طلب الشيء مع النّهى عن ضده ليس بخارجىّ
ولا ذهنى نفسىّ اذ المتبادر من الامر شيء واحد اجمالى وهو الطلب الحتمى وليس طلب الشيء مع النّهى عن تركه فى الذهن ايضا مركّبا تركّب نفسى ذاتى من باب الانسان بل كلّ واحد منهما شيء سوى الآخر وليس وجود احدهما عين وجود الآخر فلو كان مركبا لكان تركبه جعليّا فنقول ح ان تسمية جزء نحو ذلك المركّب الجعلى بالتضمّن إن كان اصطلاحا فلا مشاحة لكن ليس ذلك من باب التضمّن حقيقة اذ المعيار فى الفرق بين التضمن والالتزام ان فى الاول يتبادر الى الذهن اولا الهيئة التركيبيّة ويفهم الجزء فى ضمن الكلّ وفى الثانى يتبادر الى الذهن اولا الملزوم ثم ينتقل بعده الى اللازم وهاهنا الامر من قبيل الثانى لا الاول فان المتبادر اوّلا من الامر بسيط اجمالى وهو طلب الشيء واظهار المحبوبيّة حتما ثم بعد ذلك بل بعد تصور الطّرفين يفهم النهى عن الترك من اللفظ التزاما فالحقّ اذن الالتزام بالمعنى الاعمّ وما قيل من ان ماهيّة الوجوب مركبة من امرين
احدهما المنع من الترك
فصيغة الامر الدالّ على الوجوب دالة على النّهى عن التّرك بالتضمّن فهو فاسد لا لما عسى ان يتوهّم من ان الوجوب امر بسيط اجمالى وان التركب انما هو بعد التّحليل العقلى لان ذلك يرد فى مثل الانسان مع انّ اهل الميزان مطبقون فيه على ان الدلالة على الحيوان من باب التضمن بل لان دلالة الامر على نفس الوجوب التزامى فكيف يكون دلالته على جزء الوجوب تضمّنا مضافا الى ما مر من المعيار
وامّا المقام الثانى ففى الضدّ الخاصّ
ويمكن الاستدلال فيه على اقتضاء الامر بالشيء عدم الامر بضدّه عقلا بوجوه
الأوّل انه لو امر الآمر امرا فوريّا
كما لو قال ازل النجاسة من المسجد لدلّ ذلك بالالتزام على حرمة الترك الذى هو الضدّ العام واذا امر بشيء آخر ضده موسّعا كالصلاة لدل ذلك على جواز الاتيان بالضدّ الموسّع حين الامر الفورى ولا ريب فى ان ارتكاب ذلك الضدّ الموسع يستلزم ترك الواجب الفورى الذى هو حرام ولا ريب ولا ريب فى ان الامر بضد الموسّع المستلزم فعله ترك الواجب الفورى يدل بدلالة الاشارة على الاذن فى ترك الواجب الفورى الذى دل الامر الفورى على تركه وذلك تناقض فى كلام الحكيم بدلالة الاشارة المعتبرة فى كلامه كما مرّ وهو عنه محال فلا بد ان يكون للامر باحدهما مستلزما لعدم الامر بالآخر
الثانى ان الترك الضدّ الموسّع مقدمة لفعل الواجب الفوري
ولا ريب ان الامر بالموسّع المستلزم للاذن فى فعله المستلزم فعله لترك مقدّمة المضيّق المستلزم للاذن فى ترك مقدّمة الواجب المضيق وهو تصريح من الامر به لفظا وقد مرّ فى مقدّمة الواجب ان تصريح الامر بجواز ترك المقدمة لفظا قبيح فلا بدّ ان يكون الامر باحدهما مستلزما لعدم الامر بالآخر
الثالث ان الامر بالموسّع مع وجود الامر بالمضيق يستلزم اجتماع الامرين المضيقين بالاجتماع الامرى
اذ ح يصحّ للمكلّف الشروع بالصّلاة فى سعة الوقت تاركا للواجب الفوري كازالة النجاسة فتنعقد صلواته صحيحة لوجود الامر واذا انعقدت صحيحة لزم عليه اتمامها لعموم لا تبطلوا اعمالكم فيجب عليه الاتمام فورا وازالة النجاسة فورا وهو تكليف بما لا يطاق وإن كان مسببا عن سوء اختيار المكلف لكن قد عرفت ان الامتناع بالاختيار ينافى الاختيار خطابا وان لم ينافيه عقابا على اصحّ الاقوال فلا بد ان يكون الامر باحدهما مستلزما لعدم الامر بالآخر فلا بد فى المثال امّا من رفع الامر بالاتمام وامّا رفع فوريّة الازالة وامّا رفع الامر بالموسّع راسا
واذا دار الامر بين احد المذكوران
ولا مرجّح فى البين فلا بد من الوقف والرجوع الى اصالة فساد الصّلاة فثبت عدم جواز الامر بالموسّع والمضيق ولا يريد تعيين احدهما بل المقصود عدم امكان الجمع بينهما وهو ثابت
ويمكن ان يجاب عن الوجه الثانى
اولا بان ذلك انما يتم لو كان الدليل على الموسع لفظيا فيكون تصريحا بجواز ترك المقدّمة لفظا الذى هو غير جائز لاستلزامه الرجوع او التناقض او العبثية العينية كما مر واما اذا كان لبيّا فلا يتم فلا يكن التّنافي بين الامرين ذاتيّا مع ان مطلوبكم ذلك وثانيا بانه لا يلزم شيء من تلك المحاذير فيما نحن فيه وإن كان الدّليل لفظيا اذ المفروض ان جواز فعل الموسع فى وقت المضيّق انما يكون لاجل اطلاق الدليل ونحن لا ينافى عن مثله اذ المحازير المفهومة عرفا فى التصريح بجواز ترك المقدمة غير جارية ح بل هى تجرى فيما كان الدليل لفظيّا نصّا على جواز ترك المقدمة كان يقول بعد امره بالحجّ ان شئت فاذهب الى الحج وان شئت فلا تذهب والسرّ فى عدم فهم التناقض او الرجوع فيما اذا كان الاذن فى ترك المقدمة من باب الاطلاق هو ان الاطلاق لما كان منساقا لبيان حكم آخر وهو وجوب الموسّع وكان نفى وجوب المقدمة مستفادا بالالتزام من الامر بالموسع محمولا على نفى الوجوب الذاتى فقط اذ الاطلاق ح بالنسبة الى نفى الوجوب حتى يفهم من اطلاقه نفى الوجوب ذاتا وعرضيا حتى يلزم التناقض من باب دلالة الاشارة المستفادة من الامر بالمضيّق بالنسبة الى وجوب المقدمة وثالثا بان المستفاد من الامر اشياء الرخصة فى الفعل وصحته اى اجزائه عند اتيانه ومحبوبيّته والذى ثبت من الدليل نفى الرخصة المستلزمة للمحاذير وامّا نفى الصحّة التى فيها الكلام هنا فلا دليل عليه فيكون الضدّ صحيحا فت إلّا ان يقال ان القدر الثابت هو ان دلالة اللّفظ على الرخصة منفية وامّا نفس الرخصة فى الواقع فوجودها مشكوك فيه فنقول ح ان صحة الصّلاة مثلا موجودة بدلالة الامر واذا ثبت الصحة ثبت الرخصة الواقعية المشكوك وجودها بالاجماع المركّب فان قلت اذا شك فى الرخصة فالاصل عدمها واذا ثبت عدم وجودها فى الواقع فلا يوجد الصحّة ايضا بالاجماع المركب قلنا اجماعنا المركب ضميمة دلالة اللّفظ التى هى دليل اجتهادى واجماعكم دليل ضميمة الاصل
