فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي ضرورة صدور الفعل منه واستحالة انفكاكه عنه ، وهذا معنى الجبر وواقعه الموضوعي في أفعاله سبحانه ، وان شئت قلت : ان الإرادة الأزلية لو كانت علة تامة لأفعاله تعالى لخرجت تلك الأفعال عن إطار قدرته سبحانه وسلطنته ، بداهة ان القدرة لا تتعلق بالواجب وجوده أو المستحيل وجوده ، والمفروض ان تلك الأفعال واجبة وجودها من جهة وجوب وجود علتها ، حيث ان علتها ـ وهي الإرادة الأزلية على نظريتهم ـ واجبة الوجود وعين ذاته سبحانه ، وتامة من كافة الحيثيات والنواحي ولا يتصور فيها النقص أبداً ، فإذا كانت العلة كذلك فبطبيعة الحال يحكم على هذه الأفعال الحتم والوجوب ، ولا يعقل فيها الاختيار ومن الواضح ان مرد هذا إلى إنكار قدرة الله تعالى وسلطنته
ومن هنا قلنا ان أفعاله تعالى تصدر منه بالاختيار وإعمال القدرة وذكرنا ان إرادته تعالى ليست ذاتية بل هي عبارة عن المشيئة وإعمال القدرة ، كما انا ذكرنا ان معنى تمامية سلطنته تعالى من جميع الجهات وعدم تصور النقص فيها ليس وجوب صدور الفعل منه ، بل معناها عدم افتقار ذاته سبحانه إلى غيره وانه سلطان بالذات دون غيره فانه فقير بالذات والفقر كامن في صميم ذاته.
وقد تحصل من ذلك ان الضابط لكون الفعل في إطار الاختيار هو صدوره عن الفاعل بالمشيئة وإعمال القدرة ، لا بالإرادة والشوق المؤكد.
وأما النقطة الثانية فقد تبين من ضمن البحوث السابقة بصورة موسعة ان صدور الفعل من الباري عزوجل انما هو باعمال قدرته وسلطنته ، لا بغيرها. وما ذكره (قده) من الإيراد عليه فغريب جداً ، بل لا نترقب صدوره منه (قده). والوجه في ذلك هو ان قيام الاختيار بالنفس قيام الفعل بالفاعل ، لا قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل ، وذلك لوضوح
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
