وإلا لفاته الملاك الملزم باختياره ، حيث انه يعلم بأنه لو لم يأت بها لصار عاجزاً عن إتيان الواجب في وقته ، وبما ان عجزه مستند إلى اختياره فيدخل في كبرى القاعدة الآنفة الذّكر : الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً ، فعندئذ يستحق العقاب على ذلك.
وان شئت قلت ان ترك المقدمة في أمثال المقام حيث انه يؤدى إلى تعجيز المولى عن تكليفه مع ثبوت المقتضى له فبطبيعة الحال يحكم العقل بعدم جوازه وبقبح ذلك. فالنتيجة ان في كل مورد علم المكلف بتمامية ملاك الواجب في ظرفه وعلم بأنه لو ترك مقدمة من مقدماته قبل وقته أو شرطه لعجز عن إتيانه فيه فلا محالة يحكم العقل بلزوم إتيانها لفاقدها في أول أزمنة الإمكان لتحصيل القدرة على الواجب ، ووجوب حفظها لواجدها ، لا من ناحية ان تركها يؤدى إلى ترك الواجب الفعلي ، لفرض ان الواجب ليس بفعلي لا قبل الوقت كما هو واضح ، ولا بعده لعدم تمكنه وعجزه عن القيام به ، بل من ناحية انه يؤدى إلى تفويت الغرض الملزم ، وقد عرفت حكم العقل بقبحه واستحقاق العقاب عليه.
ثم انه هل يمكن استكشاف الحكم الشرعي من هذا الحكم العقلي بوجوب المقدمة بقاعدة الملازمة فيه وجهان : فقد اختار شيخنا الأستاذ (قده) الوجه الأول بدعوى ان حكم العقل بذلك دليل على جعل الشارع الإيجاد للمقدمة حفظاً للغرض فيكون ذلك الجعل متمماً للجعل الأول. والصحيح هو الوجه الثاني ، والسبب في ذلك ان مثل هذا الحكم العقلي لا يعقل ان يكون كاشفاً عن جعل حكم شرعي مولوي في مورده ، بداهة انه لغو صرف ، فان حكم العقل باستحقاق العقوبة على تقدير المخالفة وتفويت الغرض يكفي في لزوم حركة العبد وانبعاثه نحو الإتيان بالمقدمات ، كما هو الحال في مطلق موارد حكمه بحسن الإطاعة وقبح المعصية. نعم الملازمة بين الحكمين
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4452_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
