لبعض التفاسير مثل مقاتل والكلبي حيث أكثر ما عمدا إليه هو طرح آرائهم وأقوالهم ، وخلافاً للتفاسير الأدبية واللغوية للقرنين الثاني والثالث الهجريّين مثل الفرّاء ، أبي عبيدة وابن قتيبة إذ أكثر ما تعرّضوا إليه في تفاسيرهم هو الجانب الأدبي واللغوي ، في حين تفسير الطبري نراه قد تطرّق لجمع الآراء وروايات الصحابة والتابعين في تفسير الآيات القرآنية ، هذا وقياساً للتفاسير المشابهة ـ مثل ابن منذر ، ابن أبي حاتم ـ فإنّ تفسير الطبري كان هو الأكثر اهتماماً لدى المفسّرين ممّن تأخّر عنه وذلك لما احتواه من المباحث النقدية ، ولنظمه الخاصّ ، ولاشتماله على أمور غير روائية.
وقد اعتمد أغلب الأدباء والمحدّثين والمفسّرين قديماً تفسير الطبري ، وقد حضي بعناية خاصّة من قبلهم ، فقد صرّح ابن النديم حين تأليفه كتابه الفهرست في سنة (٣٧٧هـ) قائلا : «كتاب التفسير لم يعمل أحسن منه» ؛ كما ذكر الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ) أيضاً هذا الأمر عن لسان أبي أحمد بن أبي طاهر الفقيه الإسفرائيني (ت ٤٠٦هـ) قائلا : «لو سافر رجل إلى الصين حتّى يحصل له كتاب تفسير محمّد بن جرير لم يكن ذلك كثيراً»(١). فإنّ هذا الاعتناء بتفسير الطبري وشهرته نراه في كافّة المجاميع العلمية الثقافية للعالم الإسلامي تقريباً ، وخاصّة في العراق وإيران في مستهلّ القرن الرابع الهجري ، فقد انتقلت نُسَخَهُ التفسيرية من بغداد إلى مرو سنة (٣٥٤هـ) بأمر من منصور
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) تاريخ بغداد ٢ / ١٦٣.
![تراثنا ـ العدد [ ١٣٠ ] [ ج ١٣٠ ] تراثنا ـ العدد [ 130 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4446_turathona-130%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)