قيل : إنّه حصل بعد فتح مكّة من اتّضاح سبيل الحقّ واستقامة مناهجه ما لم يكن حاصلا قبله(١) ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ﴾ يا محمد ، بذلك الفتح العظيم ، على أعدائك ﴿نَصْراً عَزِيزاً﴾ وقويا ومنيعا ، أو عزيزا صاحبه ، أو نفيسا يقلّ مثله ، وإنّما ذكر سبحانه الاسم الجليل لإظهار كمال العناية بذلك النصر ، ولكونه خاتمة الغايات.
قيل : إنّه لم يبق بعد الفتح عدوّ يعتنى به ، فانّ أغلب العرب صاروا مؤمنين أو مستأمنين (٢) .
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ
جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ
سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٤) و (٥)﴾
ثمّ بيّن سبحانه ما هو وسيلة نصره في الظاهر بقوله : ﴿هُوَ﴾ المتفضّل ﴿الَّذِي أَنْزَلَ﴾ برحمته وفضله ﴿السَّكِينَةَ﴾ والطّمأنينة.
وعنهما عليهماالسلام : « هو الايمان » ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٣) وجعل فيها بلطفه ثباتا وقرارا ، لا تماجّ ولا تزلزل من مشاهدة شوكة العدوّ وقوته وكثرته ﴿لِيَزْدادُوا إِيماناً﴾ ويقينا بنصر الله ، فكأنه صار إيمان مقرونا ﴿مَعَ إِيمانِهِمْ وَ﴾ يقين مضافا إلى يقينهم ، أو المراد لينضمّ يقينهم بالأحكام الإلهية بيقينهم بالتوحيد والمعاد ، أو يزداد إيمانهم بصدق الرسول على إيمانهم بالتوحيد ، أو يزداد إيمانهم الاستدلالي بايمانهم الفطري ، والحال أن ﴿لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الملائكة والجنّ وسائر الحيوانات ، بل سائر الموجودات من المياه والرياح والنار والرعود والصواعق والزلازل وغيرها ، فلا حاجة له في نصرة نبيه إلى المؤمنين ، بل هو قادر على إهلاك أعدائه بإرادته من غير حاجة إلى الجنود من خلقه.
ثمّ بيّن علمه وإحاطته بالقلوب القابلة لنزول السكينة فيها ، ومقدار إيمان المؤمنين وعدد جنوده من الموجودات بقوله : ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً﴾ بكلّ شيء ذاتا وقابلية وعددا و﴿حَكِيماً﴾ في تقديره وتدبيره ، يوجد كلّ شيء في محلّه ، ويعامل مع كلّ شيء بما يستحقّه ، وإنّما أراد ازدياد الايمان في القلوب ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ يوم القيامة بإزاء إيمانهم ﴿جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ذات أشجار
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٨ : ١٠٤ ، تفسير روح البيان ٩ : ١٠.
(٢) تفسير نور الثقلين ٥ : ٥٦.
(٣) الكافي ٢ : ١٢ / ١ ، و: ١٣ / ٤ ، تفسير الصافي ٥ : ٣٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
