كثيرة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ الكثيرة ، ليزداد صفاؤها وبهاؤها وطراوتها (١)﴿وَيُكَفِّرَ﴾ ويستر ﴿عَنْهُمْ﴾ في تلك الجنّات ﴿سَيِّئاتِهِمْ﴾ وخطاياهم وزلّاتهم ، لئلا يذكرونها فينقص عيشهم الخجلة والانفعال من ربّهم ، وان صارت مغفورة.
وقيل : يعني يستر عنهم فيها الأدناس الجسمانية كالفضلات ، والنفسانية كالغضب والكبر والحسد وغيرها ، وسترها بازالتها عنهم (٢) . أو المراد مغفرة ذنوبهم في الآخرة قبل دخول الجنة ، وإنما قدّم دخولهم في الجنة على تكفير معاصيهم ، مع أنّ وجودهما بالعكس للمسارعة إلى بيان الطلب الأعلى (٣) .
قيل : إنّ الجملتين متعلقان بقوله : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ﴾ بناء على أن المراد من ذنبه ذنب امّته ، والمعنى ليغفر لك الله ذنب امّتك ، ليدخل المؤمنين إلى آخره (٤) .
وقيل : إنّهما متعلّقان بقوله تعالى : ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ﴾ والمعنى لينصرك الله بالمؤمنين ، ليدخل المؤمنين والمؤمنات (٥) إلى آخره.
واحتمل تعلّقهما بقوله : ﴿إِنَّا فَتَحْنا لَكَ﴾ حيث روي أنّ المؤمنين قالوا للنبي صلىاللهعليهوآله : هنيئا لك ، إن الله غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخرن فما ذا لنا ؟ فنزلت هذه الآية ، والمعنى : فتحنا لك ليدخل المؤمنين (٦) .
ولا يخفى أنّ الكلّ في غاية البعد غير الأول ، والأبعد من الكلّ ، ما قاله أبو السعود من تعلّقهما بما يدلّ عليه قوله : ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من معنى التصرّف والتدبير ، والمعنى أنّه تعالى دبّر ما دبّر من تسليط المؤمنين ، ليعرفوا نعمة الله في ذلك ويشكروها ، فيدخلهم الجنة ، ويكفّر عنهم سيئاتهم(٧).
﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ المذكور من دخول الجنة ، تكفير السيئات ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ وفي علمه ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ وظفرا كاملا بأعلى المقاصد.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ
السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ
وَساءَتْ مَصِيراً (٦)﴾
__________________
(١) لم يذكر المصنف تفسير قوله تعالى : خالِدِينَ فِيها.
(٢) تفسير الرازي ٢٨ : ٨٣.
(٣) تفسير روح البيان ٩ : ١٤.
(٤-٦) تفسير الرازي ٢٨ : ٨٣.
(٧) تفسير أبي السعود ٨ : ١٠٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
