فيه قوة الإسلام ورواج شرعه.
روت العامة أن النبي صلىاللهعليهوآله رأى في المنام أنه مع أصحابه دخلوا مكة آمنين محلقين رؤسهم ومقصرين ، وأنه دخل البيت وأخذ مفتاحه ، وطائف هو وأصحابه واعتمر ، فأخبر بتلك الرؤيا أصحابه ففرحوا ، ثم أخبرهم أنه يريد الخروج للعمرة فتجهزوا للسفر ، فخرج عليه الصلاة [ والسلام ] بعد أن اغتسل في بيته ، ولبس ثوبين ، وركب راحلته القصوى من عند بابه ، ومعه ألف وأربعمائة من المسلمين على روآية ، وأبطأ عليه كثير من أهل البواد خشية من قريش ، وسائق عليهالسلام معه الهدي سبعين بدنة (١) ، وكان خروجه يوم الاثنين غرة ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة ، فلما وصل إلى ذي الحليفة (٢) ، وهو ميقات المدنيين ، صلى بالمسجد الذي فيه ركعتين ، وأحرم بالعمرة هو وغالب أصحابه ، ومنهم من أخر الإحرام إلى الجحفة (٣) ، ثم نفد الماء في الطريق بين أصحابه ، فأقبلوا نحوه ، وكان بين يديه ركوة (٤) يتوضأ منها ، فقال : « ما لكم ؟ » قالوا : يا رسول الله. ليس عندنا ماء نشرب أو نتوضأ منه إلا في ركوتك. فوضع يده في الركوة ، ففار الماء من أصابعه الشريفة أمثال العيون ، فشربوا وتوضأوا ، وقال جابر : لو كنا مائة ألف لكفانا (٥) .
ثم أرسل صلىاللهعليهوآله بشر بن سفيان إلى مكة عينا له ، فلما رجع إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو بعسفان (٦) ، قال : يا رسول الله ، قد سمعت قريش بخروجك ، فلبسوا النمر - قيل : هو كناية عن إظهار شدة العداوة والحقد له - واستنفروا من أطاعهم من الأحابيش ، ومعهم زادهم ونساؤهم وأولادهم ، ونزلوا بذي طوى (٧) ، وتعاهدوا على أن لا تدخلها عليهم أبدا. فقال صلىاللهعليهوآله : « أشيروا علي - أيها الناس - أتريدون أن نؤم البيت ، فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ » فقال المقداد : يا رسول الله ، إنا لا نقول ما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾(٨) ولكن نقول : اذهب أنت وربّك [ فقاتلا ] إنا معكما مقاتلون. فقال صلىاللهعليهوآله « امضوا على اسم الله » فساروا.
ثمّ قال صلىاللهعليهوآله : « هل رجل [ يخرجنا ] من طريق إلى غير طريقهم التي هم بها » فقال رجل من أسلم اسمه ناجية بن جندب : أنا يا رسول الله. فسلك بهم طريقا وعرا ، ثمّ أفاضوا إلى أرض سهلة.
__________________
(١) البدنة : ناقة أو بقرة تنح قربانا بمكّة.
(٢) ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة.
(٣) الجحفة : قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة على أربعة مراحل.
(٤) الرّكوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء.
(٥) تفسير روح البيان ٩ : ٣.
(٦) عسفان : منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة.
(٧) ذو طوى : موضع عند مكة.
(٨) المائدة : ٥ / ٢٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
