ثمّ أمر رسول الله صلىاللهعليهوآلهأن يسلكوا طريقا يخرجهم على مهبط الحديبية من أسفل مكّة ، فسلكوا ذلك الطريق ، فلمّا نزلوا بالحديبية نزح (١) ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة ماء ، فشكا الناس إلى رسول الله العطش ، وكان الحرّ شديدا ، فأخرج صلىاللهعليهوآله سهما من كنانته ، ودفعه إلى البراء بن عازب ، وأمره أن يغرزه في جوف البئر (٢) - وقيل : تمضمض رسول الله صلىاللهعليهوآله ثمّ مجّه في البئر - فجاش الماء حتى امتلأت البئر ، فشربوا جميعا ، وروت إبلهم ، ولم ينفد ماؤها (٣) .
وقيل : لمّا ارتحلوا من الحديبية أخذ البراء السّهم من البئر ، فخفضت كأن لم يكن فيها ماء.
فلمّا أطمأن صلىاللهعليهوآله بالحديبية ، جاءه بديل بن ورقاء ، وكان سيد قومه ، فسأله ما الذي جاء به ؟ فأخبره أنّه لم يأت يريد حربا ، إنّما جاء زائرا للبيت ، فلمّا رجع إلى قريش وأخبرهم بما قال النبي صلىاللهعليهوآله لم يطمئنوا بقوله ، ثمّ أرسلوا الحليس بن علقمة ، وكان سيد الأحابيش ، فلم يعتمدوا عليه أيضا ، فأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي عظيم الطائف ، فلمّا قام بالخبر من عنده صلىاللهعليهوآله ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه ، لا يغسل يديه إلّا ابتدروا وضوءه ، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ، ولا يسقط من شعره شيء إلّا أخذوه ، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده ، ولا يحدّون النظر إليه تعظيما له.
فقال : يا معشر قريش ، إنّي جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنجاشي في ملكه ، ما رأيت ملكا في قوم قطّ مثل محمد في أصحابه ، أخاف أن لا تنصروا عليه.
فقالت له قريش : لا تتكلّم بهذا يا أبا يعفور ، لكن نردّه عامنا هذا ، أو يرجع من قابل. فقال : ما أراكم إلا سيصيبكم قارعة ، ثمّ انصرف هو ومن معه إلى الطائف.
ثمّ دعا صلىاللهعليهوآله خراش بن أمية الخزاعي ، فبعثه إلى قريش ، وحمله على بعير له ، يقال له الثعلب ، ليبلّغ اشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا جمل رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأرادوا قتل خراش ، فمنعه الأحابيش ، فخلّوا سبيله حتى أتى رسول الله صلىاللهعليهوآله وأخبره بما لقي.
ثمّ دعا عمر بن الخطاب ، وأمره أن يبلّغ أشراف قريش ما جاء له ، فقال : يا رسول الله ، إنّي أخاف قريشا على نفسي ، وما بمكّة من بني عديّ بن كعب أحد يمنعني ، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ، ولكن أدلّك على رجل أعزّ بها منّي ؛ عثمان بن عفان ، فانّ بني عمّه يمنعونه.
فدعا عثمان ، فبعثه إلى أشراف قريش ، وأمره أن يأتي رجالا مسلمين بمكّة ونساء مسلمات ، ويدخل عليهم ويخبرهم أنّ الله قرب أن يظهر دينه بمكّة حتى لا يستخفى فيها بالايمان ، فخرج
__________________
(١) يقال : نزح البئر : قل ماؤها أو نفد.
(٢) تفسير روح البيان ٩ : ٣.
(٣) تفسير روح البيان ٩ : ٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
