قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ
أَلِيمٍ (٣١)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد تهديد أهل مكة على الكفر ومخالفة الحقّ ، رغّبهم في الايمان بالقرآن بذكر إيمان الجنّ به بقوله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنا﴾ ووجّهنا ﴿إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿نَفَراً﴾ وجماعة ﴿مِنَ الْجِنِ﴾ وألقينا في قلوبهم الميل والرغبة إلى الحضور عندك ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ حين تلاوتك إيّاه ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ عند تلاوته ﴿قالُوا﴾ اولئك النّفر بعضهم لبعض ﴿أَنْصِتُوا﴾ واسكتوا لسماعه ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ القرآن وفرغت من تلاوته ، آمنوا به وأجابوا إلى ما سمعوه ، و﴿وَلَّوْا﴾ عنك ورجعوا ﴿إِلى قَوْمِهِمْ﴾ حال كونهم ﴿مُنْذِرِينَ﴾ لهم وداعين إيّاهم إلى الإيمان به.
في إيمان الجن بالقرآن ، ودعوة قومهم إليه
روى بعض العامة : أنّ الجن كانت تسترق السمع ، فلمّا حرست السماء ورجموا بالشّهب قالوا : ما هذا إلّا لنبأ حدث ، فنهض سبعة نفر من أشراف جنّ نصيبين ورؤسائهم (١) ، وقيل : كانوا من ملوك جنّ نينوى بالموصل (٢) .
وعن ابن عباس : أنّهم كانوا تسعة ، وأسماؤهم سليط ، وشاصر ، وباصر (٣) ، وحاصر ، وحسا ، ومسا ، وعليم ، وأرقم ، وأدرس ، فضربوا في الأرض حتى بلغوا تهامة ، ثمّ اندفعوا إلى وادي نحلة بين مكة والطائف ، فوافوا رسول الله صلىاللهعليهوآله وهو قائم في جوف الليل (٤) - وفي رواية : يصلّي صلاة الفجر - فاستمعوا لقراءته وهو يقرأ طه (٥) ، فجاءوا إلى قومهم ، و﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ﴾ كتاب ﴿مُوسى﴾ من السماء ، يكون ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وموافقا لما قبله من الكتب الإلهية السماوية في التوحيد والمعارف والنبوة والمعاد ، والتزهيد في الدنيا والترغيب إلى الآخرة ، وتهذيب الأخلاق وغيرها من المطالب العالية ، وهو ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِ﴾ من العقائد ﴿وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ موصل إلى قرب الله والجنّة من الشرائع والأعمال الصالحة.
قيل : إنّما قالوا : ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ لأنّهم كانوا يهودا (٦) . وعن ابن عباس : أنّهم لم يسمعوا بأمر عيسى (٧) . وقيل : لأنّ شريعة عيسى مقرّرة لشريعة موسى لا ناسخة (٨) . ويحتمل أنّه من جهة عظمة التوراة من بين الكتب السماوية.
ثمّ قالوا : ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ وكتابه أو رسوله الذي يدعوكم إلى كلّ خير وسعادة ﴿وَآمِنُوا
__________________
(١و٢) تفسير روح البيان ٨ : ٤٨٧.
(٣) في تفسير روح البيان : وماصر.
(٤) تفسير روح البيان ٨ : ٤٨٧.
(٥) تفسير روح البيان ٨ : ٤٨٧.
(٦و٧) تفسير روح البيان ٨ : ٤٨٩.
(٨) تفسير روح البيان ٨ : ٤٨٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
