وعنادا ولجاجا : أيّها المدّعون للحياة بعد الموت ﴿ائْتُوا بِآبائِنا﴾ وأحيوهم ثانيا ، وأحضروهم عندنا يشهدون بصحّة قولكم بالبعث والحساب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في إخباركم به.
ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بردّهم بقوله : ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهم : أيّها الجهّال ﴿اللهُ﴾ القادر على خلق كلّ شيء ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ في الدنيا بقدرته وحكمته ﴿ثُمَ﴾ بعد انقضاء آجالكم هو ﴿يُمِيتُكُمْ﴾ بقدرته ، لا الطبيعة والدهر ، ولا حركات الأفلاك ، ولا تأثير الكواكب ﴿ثُمَ﴾ بعد إحياكم في القبور ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ حال كونكم منتهين ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ للحساب وجزاء الأعمال ﴿لا رَيْبَ﴾ في جمعكم في ذلك اليوم ، ولا شكّ للعاقل ﴿فِيهِ﴾ لوجوبه على الله بحكم العقل ، ومن الواضح عدم التلازم بين إمكان الإحياء في الآخرة ، وإمكانه في الدنيا ، ولا يلزم من قدرة الله على ذلك قدرة المخبرين به عن الله ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ دلالة حدوث الانسان وسائر الموجودات على وجود الإله القادر الحكيم ، وعلى قدرته على الإحياء ثانيا ووجوبه عليه ، ثمّ بيّن قدرته الكاملة على إيجاد جميع الموجودات ، وسعة سلطنته بقوله : ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحده ﴿مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ والسلطنة التامة على جميع الموجودات علويا وسفليا ، إيجادا وإعداما ، وتصرّفا وتدبيرا ، فمن كان بهذه القدرة لا يعجز عن إيجاد الانسان وإحيائه ثانيا بعد موته وصيرورته رميما وترابا ، فثبت المعاد بالدليل القاطع.
ثمّ هدّد المنكرين بقوله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ والقيامة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ووقت قيامها ﴿يَخْسَرُ﴾ ويتضرّر ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ والقائلون بأن لا إله ولا بعث ، لأنّهم ضّيعوا أعمارهم وعقولهم وقواهم التي أنعم الله بها عليهم ، وجعلها بمنزلة رأس مالهم في سوق الدنيا ، كرأس مال التجار ، ففي إتلافها وتضييعها خسارة لا خسارة فوقها.
﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
* هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) و (٢٩)﴾
ثمّ ذكر بعض أهوال القيامة بقوله : ﴿وَتَرى﴾ يا محمد ، أو أيّها الرائي ﴿كُلَّ أُمَّةٍ﴾ من الاممّ وجماعة من الجماعات مؤمنيهم وكفّارهم من هول ذلك اليوم ﴿جاثِيَةً﴾ وباركة على ركبهم ، لذهاب قوة القيام عنهم.
عن كعب الأحبار أنّه قال لعمر : ان جهنّم تزفر زفرة يوم القيامة فلا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلّا جثا على ركبتيه ، حتى يقول إبراهيم الخليل : يا ربّ ، أسألك اليوم إلّا نفسي (١) .
__________________
(١) تفسير روح البيان ٨ : ٤٥٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
