فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء ، فابطأ عليه ، فلمّا أتاه قال له : ما حبسك ؟ قال : غلام عمر قعد على طرف البئر ، فما ترك احدا يستقى حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه. فقال عبد الله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلّا كما قيل : سمّن كلبك يأكلك ، فبلغ قوله عمر ، فاشتمل بسيفه يريد التوجّه إليه ، فنزلت (١).
وقيل : شتم رجل من كفّار قريش عمر بمكة ، فهمّ أن يبطش به ، فأمر الله بالعفو والتجاوز ، وأنزل الله هذه الآية (٢).
وروى ميمون بن مهران أنّ فنحاس (٣) بن عازورا اليهودي ، لمّا نزل قوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾(٤) قال : ربّ محمد احتاج ، فسمع بذلك عمر ، فاشتمل على سيفه ، وخرج في طلبه ، فبعث النبي صلىاللهعليهوآله في طلبه وردّه (٥).
﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنا
بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ
عَلَى الْعالَمِينَ * وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ
الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ *
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا
يَعْلَمُونَ (١٥) و (١٨)﴾
ثمّ بيّن سبحانه أنّه يجزي كلّ أحد جزاء عمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشرّ ، بقوله تعالى : ﴿مَنْ عَمِلَ﴾ عملا ﴿صالِحاً﴾ ومرضيا عند الله ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عمله ونفعه ، وإليه عائد ثوابه ، لا إلى الله ، ولا إلى غيره ﴿وَمَنْ أَساءَ﴾ وعصى ربّه ، وتبع هوى نفسه ﴿فَعَلَيْها﴾ وزره وضرره وعقابه ، لا على نفس غيره ، فأوامره تعالى ونواهيه ألطاف منه تعالى إلى العبيد ، وتقريب إلى مصالحهم ، تبعيد عن مضارّهم ومفاسدهم ﴿ثُمَ﴾ بعد خروجكم من الدنيا ، ودخولكم في دار الجزاء ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾ ومالك اموركم ﴿تُرْجَعُونَ﴾ وإلى محكمة عدله تساقون ، فيجازيكم على أعمالكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشرّ ، ففيه حثّ على العمل الصالح ، ومنه العفو عن المسييء ، وتحذير عن العمل السيء.
ثمّ بيّن سبحانه أنّ طريقة قوم خاتم النبيين صلىاللهعليهوآله طريقة قوم موسى في الايمان والكفر مع نزول
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٣ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٤١.
(٢) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٣.
(٣) في تفسير الرازي : فنحاص.
(٤) البقرة : ٢ / ٢٤٥.
(٥) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٣.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
