وإرادته ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ وتطلبوا بالركوب في السفن للتجارة ، وبالغوص في البحر وإخراج اللؤلؤ والمرجان منه ، وبصيد السّموك ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمه ، ولكي تؤدّون حقّ إحسانه ﴿وَسَخَّرَ﴾ وذلّل أيضا ﴿لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ من الموجودات ، بأن جعلها نافعة لكم في حياتكم وبقائكم ومعاشكم ، ومعارفكم وكمال أنفسكم حال كونها ﴿جَمِيعاً﴾ وكلا كائنة ﴿مِنْهُ﴾ تعالى موجودة بقدرته ومشيئته ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ التسخير ﴿لَآياتٍ﴾ عظيمة ودلالات واضحة على توحيد خالقها ومسخّرها وإنما كماله ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في بدائع صنع الله وعظائم نعمه.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا
يَكْسِبُونَ (١٤)﴾
ثمّ إنه تعالى بعد ذكر الأدلّة المتقنة على توحيده وتهديد المشركين ، أمر المؤمنين بالمداراة معهم والعفو عن إساءتهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بك ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ﴾ وثوابه ، ولا يخافون عقابه ، ولا يخشون نزول مثل ما نزل على الامم الماضية ، كما عن ابن عباس (١). وهم الكفّار والمشركون المنكرون للمعاد ، إذا أساءوا إليهم باللسان واليد ﴿لِيَجْزِيَ﴾ الله ﴿قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
قيل : إنّ المراد من القوم المؤمنون ، وتنكيره لتعظيم شأنهم ، والمراد ممّا يكسبون مغفرتهم للمسيئين إليهم ، والمعنى أمرهم بالمغفرة ليجزي الله يوم القيامة قوما ، أي قوم كانوا بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذى الكفّار وإساءتهم ، والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه(٢).
وقيل : إنّ المراد الكفار ، وتنكيره للتحقير ، والمعنى : قل للمؤمنين يتجازوا عن إساءة الكفّار ، ليجزي الله الكفّار بما كسبوا من الإثم والإساءة ، والمراد لا تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن (٣).
قيل : إنّ الآية منسوخة بآية السيف والقتال (٤).
روى بعض العامة عن ابن عباس : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني عمر ﴿يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ﴾ يعني عبد الله بن ابي ، وذلك أنّهم نزلوا في عزوة بني المصطلق على بئر يقال له المريسيع ،
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٣.
(٢) تفسير أبي السعود ٨ : ٧٠ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٤٢.
(٣) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٣.
(٤) تفسير البيضاوي ٢ : ٣٨٨ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٤١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
