الكتاب إليهم ، وإتيان المعجزات لهم ، ووفور النّعم عليهم بقوله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وأعطيناهم بفضلنا ﴿الْكِتابَ وَالْحُكْمَ﴾ قيل : هي العلم بالأحكام (١) . وقيل : إنّها العلم بفصل القضاء (٢) . وقيل : إنّها المعارف الإلهية (٣)﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ فانّ إبراهيم كان شجرة الأنبياء ، وكان أكثر الأنبياء في نسله.
ثمّ إنّه تعالى بعد بيان نعمه الدينية بيّن نعمه الدنيوية التي أعطاهم بقوله : ﴿وَرَزَقْناهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ واللذائذ كالمنّ والسّلوى وأموال القبط ﴿وَفَضَّلْناهُمْ﴾ بفلق البحر لهم ، وتظليل الغمام عليهم ونظائرهما ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ قيل : إنّ المراد عالمي زمانهم (٤) ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ﴾ وأدلّة ظاهرة ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ والدين ، أو معجزات ظاهرة على صحّة نبوتهم.
عن ابن عباس : يعني بيّن لهم من أمر النبي صلىاللهعليهوآله أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ، ويكون أنصاره من أهل يثرب (٥) ، ومع ذلك اختلفوا في أمر النبي صلىاللهعليهوآله ، أو في التوحيد ، فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ في ذلك الأمر ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بحقيته وحقيقته ، فجعلوا ما يرفع الخلاف سببا لوجوده ، ولم يكن هذا الاختلاف لحدوث شكّ في قلوبهم ، بل كان لأجل أن أحدثوا ﴿بَغْياً﴾ وعداوة ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لطلبهم الدنيا والرئاسة ، فصار ذلك العدوان سببا لاختلافهم وتنازعهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي﴾ يوم القيامة ﴿بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين بإثابة المحقّين ، وتعذيب المبطلين.
﴿ثُمَ﴾ بعد انقضاء نبوة بني إسرائيل ﴿جَعَلْناكَ﴾ يا محمد - لكرامتك عليّ ، ونورانية قلبك ، وكمال عقلك وعظمة خلقك - مستويا ﴿عَلى شَرِيعَةٍ﴾ وطريقة عظيمة الشأن ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ والدين الذي خصصناك به ﴿فَاتَّبِعْها﴾ واعمل بأحكامها ، وبلّغها إلى الناس ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ﴾ الضالين ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ شيئا من الحقائق ، ولا تأخذ بآراء قوم يجهلون الدين ، بل لا دين لهم إلّا ما يشتهون من غير حجّة على ما يتديّنون.
عن الكلبي : أنّ رؤساء قريش قالوا للنبي صلىاللهعليهوآله وهو بمكة : ارجع إلى دين آبائك ، فهم كانوا أفضل منك ، وأسنّ فنزلت (٦) .
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ
الْمُتَّقِينَ * هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١٩) و (٢٠)﴾
__________________
(١-٣) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٥ ، تفسير أبي السعود ٨ : ٨١ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٤٣.
(٤) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٥ ، تفسير روح البيان ٨ : ٤٤٣.
(٥) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٥.
(٦) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
