جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ
عَذابٌ عَظِيمٌ * هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ
أَلِيمٌ (٩) و (١١)﴾
ثمّ ذمّه سبحانه بعدم قناعته بالتكذيب والإصرار على الكفر ، بل يستهزئ بالآيات بقوله : ﴿وَإِذا عَلِمَ﴾ ذلك الأفاك ﴿مِنْ آياتِنا﴾ المنزلة ﴿شَيْئاً﴾ قليلا كان ، أو كثيرا ﴿اتَّخَذَها هُزُواً﴾ وجعلها مهزوءا بها ومورد للسّخرية ﴿أُولئِكَ﴾ المستهزئون بالآيات ، المستكبرون عن الايمان بها ﴿لَهُمْ﴾ بسبب كبرهم الباعث على الاستهزاء ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ومذلّ لهم ، مذهب لعزّهم الذي تخيّلوه لأنفسهم ، ثمّ فسّر سبحانه العذاب المهين الذي هدّد به هؤلاء المقبلين بقلوبهم إلى الدنيا بقوله : ﴿مِنْ وَرائِهِمْ﴾ وفي خلفهم ، وهو الدار الآخرة التي ولّوا عنها ﴿جَهَنَّمُ﴾ وقيل : إنّ الوراء هنا بمعنى القدّام (١)﴿وَلا يُغْنِي﴾ ولا يدفع العذاب ﴿عَنْهُمْ﴾ في الآخرة ﴿ما كَسَبُوا﴾ وحصّلوا في الدنيا من الأموال والزخارف ﴿شَيْئاً﴾ قليلا ﴿وَلا مَا اتَّخَذُوا﴾ واختاروا لأنفسهم ﴿مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ من الأصنام والأوثان ، على خلاف زعمهم من أنّهم شفعاء عند الله ﴿وَلَهُمْ﴾ في جهنم (٢)﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وشديد في الغاية مضافا إلى كونه مهينا.
ثمّ إنّه تعالى بعد تهديد المعرضين عن آيات القرآن والمستهزئين بها ، بالغ في توصيف القرآن بالهداية ، باخباره عنه بأنه عينها بقوله : ﴿هذا﴾ القرآن ﴿هُدىً﴾ وعين رشاد إلى مصالح الدين والدنيا ، ودالّ إلى كلّ خير ، وإلى أعلى الكمالات الائقة بالبشر ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ﴾ القرآن النازلة من ﴿رَبِّهِمْ﴾ اللطيف بهم ﴿لَهُمْ﴾ في الآخرة استحقاق وعدل ﴿عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ وشديدة ﴿أَلِيمٌ﴾ ذلك العذاب غايته.
﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي
ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٢) و (١٣)﴾
ثمّ إنّه تعالى بعد ذكر كثير من الآيات الدالة على توحيده وقدرته وحكمته ، وتهديد المعرضين عنها والمستهزئين بها ، عاد إلى ذكر آيات وأدلة اخر على توحيده بقوله : ﴿اللهُ﴾ تعالى هو القادر ﴿الَّذِي سَخَّرَ﴾ وذلّل ﴿لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ بأن جعله ليّنا مائعا ساكنا ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ والسّفن ﴿فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٦١ ، تفسير أبي السعود ٨ : ٦٩.
(٢) في النسخة : في تلك الجهنم.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
