اليقين بما دلّت عليه تلك الآيات بطريق أولى ، لأنّه من الظهور كالشمس في رائعة النهار ﴿وَ﴾ في ﴿اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَ﴾ في ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ بقدرته وحكمته ﴿مِنَ السَّماءِ مِنْ﴾ ماء نافع هو سبب ﴿رِزْقٍ﴾ الانسان وسائر الحيوانات بأصنافها ﴿فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ﴾ بإخراج أنواع الزروع والأشجار والثّمار والنباتات منها ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ ويبسها وعدم الانتفاع بها ﴿وَ﴾ في ﴿تَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ وتحويلها من جهة إلى جهة ، وتبديلها من حال إلى حال ﴿آياتٌ﴾ وبراهين متقنة على قدرة الله ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ويدركون واقعيات الامور غير المحسوسة بالنظر إلى المحسوسات.
قيل : إنّ في اختلاف الفواصل إشارة إلى أنّ الناس إن كانوا مؤمنين ، فعليهم أن يفهموا هذه الدلائل بقوة إيمانهم ، وإن لم يكونوا من أهل الايمان ، بل كانوا طلاب الحقّ واليقين به ، فعليهم أيضا أن يتفكّروا في تلك الآيات ، ويطلبوا اليقين بقوّة النظر والفكر ، وإن لم يكونوا من أهل الايمان ، ولا من طلّاب اليقين ، فلا أقلّ يكونون من زمرة العقلاء ، فعليهم أيضا أن يتفكّروا فيها ، ويدركوا الحقّ بقوّة عقلهم (١) .
أقول : والأولى أن يقال إنّ حدوث السماوات والأرض ، لمّا لم يكن من المحسوسات ، وكان محتاجا إلى التأمّل التامّ أدلّة حدوثهما ، ولا باعث إلى ذلك التأمّل إلّا الايمان ، خصّ دلالتهما بأهل الايمان ، وأمّا الآيات الاخر من خلق الانسان والحيوانات ونزول الغيث وتصريف الرياح ، فلمّا كان حدوثها محسوسا ومشاهدا لكلّ أحد ، كان دليلا على وجود القادر الحكيم من غير حاجة إلى ترتيب القياس ، لوضوح احتياج الحادث إلى المحدث ، إلّا أنّ بعضها لمّا أمكن إسنادها إلى الأسباب الطبيعية ، كنزول المطر الذي يمكن إسناده إلى تصاعد الأبخرة ، وكتصريف الريح الممكن إسناده إلى سقوط الأدخنة ، لا بدّ من قوّة عقل يدرك بها أنّ العلل لا بدّ أن تنتهي إلى علّة العلل ، وإن كان الاستدلال بكلّ آية محتاجا إلى العقل ولذا ذكر سبحانه الآيات جميعها في آية واحدة وذيلها بقوله : ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ
لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٦) و (٧)﴾
ثمّ عظّم سبحانه تلك الآيات لتوجيه النفوس إليها ، وتوبيخ من لا يتفكّر فيها بقوله : ﴿تِلْكَ﴾ الآيات التكوينية العظيمة التي ذكرناها في الآيات السابقة القرآنية ﴿آياتُ اللهِ﴾ ودلائل وجوده وتوحيده،
__________________
(١) تفسير الرازي ٢٧ : ٢٥٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٥ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4438_nafahat-alrahman05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
